قصة قصيرة : الأسير

58

بقلم محمد زعير

ما سُرِرْت يوما سروري بهاتفي النقال ، كنت أغبط أخي الكبير على هاتفه ، و لم يكن والدي يسمح لي باستعماله ، لكنني كنت أختلس بين الفينة و الأخرى هاتف والدتي ، فأختبئ تحت السرير لأقتحم هذا العالم الغريب . أما اليوم فلم أعد في حاجة إلى اختلاسه ، فقد بت أمتلك واحدا ، و لا حق لأيٍّ كان  أن يصادر حقي في استعماله ، وكيف يصادر حقي في استعماله وقد بات ملكا خالصا لي؟! ، وكيف يضيق عليَّ   و قد جاوزت اليوم عيد ميلادي الثامن عشر و انتقلت في لحظة من طفل قاصر إلى الضفة الأخرى حيث تتسع دائرة حريتي و أمسيت مسؤولا عن تصرفاتي  ؟!  .

انتهت مراسيم الاحتفال ، و أطفئت الأنوار ، فسكن البيت ، ومضى  كل إلى سريره  ، فتسللت  منتشيا إلى غرفتي . لقد أضحى العالم الآن بين يدي . فتحت العلبة و أخرجت هاتفي النقال ، وصلته بالشبكة ، وقذفت بنفسي في بحر متلاطم من التطبيقات ، يا له من عالم مغرٍ  لا حدود له يعانق فضولا ملك عليَّ حواسي  .

و في ذات ليلة من ليالي الصيف بعد أن تحررت من الدراسة و تخففت من أعبائها ، جلست أتصفح تطبيقاته ، كان إلى جانبي أخي الصغير ، لست أدري ماذا وقع ، لكنني على يقين أن سبابتي قد ضغطت على شيء ما في الهاتف ، فانقدح منه شعاع جذبني بقوة إلى قلب الهاتف  لأجد نفسي أسيرا داخله ، فاقدا لحريتي ، و لأجد عقلي قد شُلَّ تماما عن التفكير . التفت يمينا وشمالا ، فوجدت شبابا مثلي لا يحصيهم العد ، و رجالا و نساء يسدون الأفق و عيونهم مشدودة إلى بطارية الهاتف التي قد تنفجر بين الفينة و الأخرى  ، ذلك أن أخي الصغير استغل فرصة اختفائي داخل الهاتف ، فما كان منه إلا أن أوصل الهاتف بشاحن صِينِيٍّ رديء ، ثم أوصل الشاحن بالكهرباء و شرع يلعب لعبة البابجي في غير اكتراث ، فتكهربنا جميعا ، و تصببت جباهنا عرقا سال كأودية كادت تحدث تماسا لولا لطف الله .

كان كل واحد من هؤلاء الأسرى مصفدة يداه بأصفاد مكتوب عليها أسماء مختلف التطبيقات التي يعج بها هاتفه ، و على جبينه قد خُطَّت أرقام مَهولَةٌ لم أفهم مغزاها في البداية ، لكن واحدا من المكبلين همس في أذني ، فإذا هي عدد الساعات التي اختلسها هذا الجهاز اللعين من عمر كل أسير .

وفجأة عَنَّتْ شريحةٌ يحوطها رجال إلكترونيُّون بِقُرونٍ حسّاسة  قيل لي إنهم حراس ذاكرة الهاتف ، فقام لها الجميع هيبة . اِقْتَعَدَتِ الشَّريحَةُ عرشا ، و أمرت الكل بالجلوس ، فما استطعتُ ، فقد تخشب ظهري من كثرة الجُثُوِّ على ركبتيَّ معصورا في ركن ضيق من المكان المخصص لي  ، فانتهرتني ، فَأَذْعَنْتُ  ، و ألقتْ إلى الجميع سجلات على مد البصر ، كل سجل قد دُوِّنَتْ فيه المواقع التي ولجها ، فرأيت سجلي ، فإذا به عشرات الساعات ، قضيتها في مشاهدة اليوتوب  و الفايسبوك ، متتبعا أعراض الناس مُشاهدا  و مساهما في الردِّ على كل تافه و نشر كل رذيلة ، و اختلست النظر إلى رجل قد غَشِيَهُ كَرْبٌ عظيمٌ من مشاهدة روتين سيدات و أوانس يتنافسن في إظهار عوراتهن ، كأنهن في سوق نخاسة ، و إِذَا امرأة قد اكفهر وجهها مما رأته في سجلها الذي طفح بساعات  لا يحصيها العد في تصفح مواقع تعنى بنفخ مناطق من جسدها المترهل من كثرة الشد و الجذب ، و إِذَا عَدّادُ سِجِلِّها يُنْبِئُها أنها قد اقتطعت من عمرها دهرا  في مشاهد مسلسلات تركية و برازيلية من ألف حلقة يتنافس فيها الرجال و النساء على أيهم يفوز بالآخر .

و نظرت في وجوه الآخرين ، فاعترتني دهشة كبيرة ، و استقصيت أخبار مَنْ حولي من الأسرى ، فلم أجد ساعة واحدة قضاها أحد منهم في قراءة كتاب ، أو تَعَلُّمِ عِلْمٍ ،  أو نَشْرِ فَضيلةٍ، و تذكرت مقالة و الدي   و هو يهديني هذا الهاتف اللعين بمناسبة عيد ميلادي الثامن عشر : ” احذر أن تصبح أسيرا ” .

كنت أسمع صوت أخي من داخل الهاتف خافتا ،  وقد استحوذ عليه الهاتف و أنساه ذكر مَا أَلَمَّ بي ، كان منفصلا عمن حوله كأن وعيه  قد سرق منه ، و حينما تفقدني الجميع فلم يجدوني ، أخذتِ الصغيرَ نوبةُ بكاءٍ هستيري فألقى الهاتف ، فإذا بمن فيه من أسرى يميدون كأنهم في حافلة فرمل سائقها فجأة ، بعضهم فَهمَ و بعضهم لم يفهم . هدّأت والدتي من روع الصغير و ضمته إلى حضنها  . فحكى الصغير لوالدي سر اختفائي بغتــة . أدرك والدي بعد أن تصفح هاتفي أني كنت ضحية رابط مدجج بفيروس شرس لم أحترس منه ، و لأن أبي كان خبيرا في المعلوميات ، فقد استطاع بكفاءته في البرمجة تحريري من هذا الفيروس .

قذفني الهاتف في صحراءَ مُقْفِرَةٍ من صحارى الربع الخالي وأنا أحوج ما أكون إلى قطرة ماء أبل بها حقلي ، فإذا نهير صغير صغير ، فانكببت أحتسي منه و إذا وجهي ينطبع على صفحته ، فوجدتني على غير الصورة التي كنتُ عليها قبل أن يبتلعني الفيروس  ، ذلك أن الفيروس اللعين قد أحدث في جيناتي تعديلا جعلني أبدو أكبر من كل إخوتي و أنا الذي لم يجاوز العشرين بعد . و في وقت متأخر من ليل بهيم تشققت فيه قدماي طرقت الباب ، فأنكرني والداي و لم يعرفاني إلا بشامة في ظهري . ذلك أني قد عدتُ بِلِحْيَةٍ بيضاءَ تحكي ما كابدته  . نَعَمْ عُدْتُ و قد حفرت مسارب الهاتف خدودا في وجهي و جبهتي ، و تقوس ظهري من كثر  الجُثُوِّ القسْرِيِّ على رُكْبَتَيَّ داخل محبسي بالهاتف .

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

النقابة الوطنية للتعليم FDT تلوّح بخطوات قانونية ضد اختلالات التدبير

في تصعيد نقابي غير مسبوق بإقليم آسفي، أصدرت النقابة الوطنية للتعليم العضو في الفيدرالية ال…