بقلم محمد زعير
ما سُرِرْت يوما سروري بهاتفي النقال ، كنت أغبط أخي الكبير على هاتفه ، و لم يكن والدي يسمح لي باستعماله ، لكنني كنت أختلس بين الفينة و الأخرى هاتف والدتي ، فأختبئ تحت السرير لأقتحم هذا العالم الغريب . أما اليوم فلم أعد في حاجة إلى اختلاسه ، فقد بت أمتلك واحدا ، و لا حق لأيٍّ كان أن يصادر حقي في استعماله ، وكيف يصادر حقي في استعماله وقد بات ملكا خالصا لي؟! ، وكيف يضيق عليَّ و قد جاوزت اليوم عيد ميلادي الثامن عشر و انتقلت في لحظة من طفل قاصر إلى الضفة الأخرى حيث تتسع دائرة حريتي و أمسيت مسؤولا عن تصرفاتي ؟! .
انتهت مراسيم الاحتفال ، و أطفئت الأنوار ، فسكن البيت ، ومضى كل إلى سريره ، فتسللت منتشيا إلى غرفتي . لقد أضحى العالم الآن بين يدي . فتحت العلبة و أخرجت هاتفي النقال ، وصلته بالشبكة ، وقذفت بنفسي في بحر متلاطم من التطبيقات ، يا له من عالم مغرٍ لا حدود له يعانق فضولا ملك عليَّ حواسي .
و في ذات ليلة من ليالي الصيف بعد أن تحررت من الدراسة و تخففت من أعبائها ، جلست أتصفح تطبيقاته ، كان إلى جانبي أخي الصغير ، لست أدري ماذا وقع ، لكنني على يقين أن سبابتي قد ضغطت على شيء ما في الهاتف ، فانقدح منه شعاع جذبني بقوة إلى قلب الهاتف لأجد نفسي أسيرا داخله ، فاقدا لحريتي ، و لأجد عقلي قد شُلَّ تماما عن التفكير . التفت يمينا وشمالا ، فوجدت شبابا مثلي لا يحصيهم العد ، و رجالا و نساء يسدون الأفق و عيونهم مشدودة إلى بطارية الهاتف التي قد تنفجر بين الفينة و الأخرى ، ذلك أن أخي الصغير استغل فرصة اختفائي داخل الهاتف ، فما كان منه إلا أن أوصل الهاتف بشاحن صِينِيٍّ رديء ، ثم أوصل الشاحن بالكهرباء و شرع يلعب لعبة البابجي في غير اكتراث ، فتكهربنا جميعا ، و تصببت جباهنا عرقا سال كأودية كادت تحدث تماسا لولا لطف الله .
كان كل واحد من هؤلاء الأسرى مصفدة يداه بأصفاد مكتوب عليها أسماء مختلف التطبيقات التي يعج بها هاتفه ، و على جبينه قد خُطَّت أرقام مَهولَةٌ لم أفهم مغزاها في البداية ، لكن واحدا من المكبلين همس في أذني ، فإذا هي عدد الساعات التي اختلسها هذا الجهاز اللعين من عمر كل أسير .
وفجأة عَنَّتْ شريحةٌ يحوطها رجال إلكترونيُّون بِقُرونٍ حسّاسة قيل لي إنهم حراس ذاكرة الهاتف ، فقام لها الجميع هيبة . اِقْتَعَدَتِ الشَّريحَةُ عرشا ، و أمرت الكل بالجلوس ، فما استطعتُ ، فقد تخشب ظهري من كثرة الجُثُوِّ على ركبتيَّ معصورا في ركن ضيق من المكان المخصص لي ، فانتهرتني ، فَأَذْعَنْتُ ، و ألقتْ إلى الجميع سجلات على مد البصر ، كل سجل قد دُوِّنَتْ فيه المواقع التي ولجها ، فرأيت سجلي ، فإذا به عشرات الساعات ، قضيتها في مشاهدة اليوتوب و الفايسبوك ، متتبعا أعراض الناس مُشاهدا و مساهما في الردِّ على كل تافه و نشر كل رذيلة ، و اختلست النظر إلى رجل قد غَشِيَهُ كَرْبٌ عظيمٌ من مشاهدة روتين سيدات و أوانس يتنافسن في إظهار عوراتهن ، كأنهن في سوق نخاسة ، و إِذَا امرأة قد اكفهر وجهها مما رأته في سجلها الذي طفح بساعات لا يحصيها العد في تصفح مواقع تعنى بنفخ مناطق من جسدها المترهل من كثرة الشد و الجذب ، و إِذَا عَدّادُ سِجِلِّها يُنْبِئُها أنها قد اقتطعت من عمرها دهرا في مشاهد مسلسلات تركية و برازيلية من ألف حلقة يتنافس فيها الرجال و النساء على أيهم يفوز بالآخر .
و نظرت في وجوه الآخرين ، فاعترتني دهشة كبيرة ، و استقصيت أخبار مَنْ حولي من الأسرى ، فلم أجد ساعة واحدة قضاها أحد منهم في قراءة كتاب ، أو تَعَلُّمِ عِلْمٍ ، أو نَشْرِ فَضيلةٍ، و تذكرت مقالة و الدي و هو يهديني هذا الهاتف اللعين بمناسبة عيد ميلادي الثامن عشر : ” احذر أن تصبح أسيرا ” .
كنت أسمع صوت أخي من داخل الهاتف خافتا ، وقد استحوذ عليه الهاتف و أنساه ذكر مَا أَلَمَّ بي ، كان منفصلا عمن حوله كأن وعيه قد سرق منه ، و حينما تفقدني الجميع فلم يجدوني ، أخذتِ الصغيرَ نوبةُ بكاءٍ هستيري فألقى الهاتف ، فإذا بمن فيه من أسرى يميدون كأنهم في حافلة فرمل سائقها فجأة ، بعضهم فَهمَ و بعضهم لم يفهم . هدّأت والدتي من روع الصغير و ضمته إلى حضنها . فحكى الصغير لوالدي سر اختفائي بغتــة . أدرك والدي بعد أن تصفح هاتفي أني كنت ضحية رابط مدجج بفيروس شرس لم أحترس منه ، و لأن أبي كان خبيرا في المعلوميات ، فقد استطاع بكفاءته في البرمجة تحريري من هذا الفيروس .
قذفني الهاتف في صحراءَ مُقْفِرَةٍ من صحارى الربع الخالي وأنا أحوج ما أكون إلى قطرة ماء أبل بها حقلي ، فإذا نهير صغير صغير ، فانكببت أحتسي منه و إذا وجهي ينطبع على صفحته ، فوجدتني على غير الصورة التي كنتُ عليها قبل أن يبتلعني الفيروس ، ذلك أن الفيروس اللعين قد أحدث في جيناتي تعديلا جعلني أبدو أكبر من كل إخوتي و أنا الذي لم يجاوز العشرين بعد . و في وقت متأخر من ليل بهيم تشققت فيه قدماي طرقت الباب ، فأنكرني والداي و لم يعرفاني إلا بشامة في ظهري . ذلك أني قد عدتُ بِلِحْيَةٍ بيضاءَ تحكي ما كابدته . نَعَمْ عُدْتُ و قد حفرت مسارب الهاتف خدودا في وجهي و جبهتي ، و تقوس ظهري من كثر الجُثُوِّ القسْرِيِّ على رُكْبَتَيَّ داخل محبسي بالهاتف .
