عبدالله طهر
ان قلق العقل من مآل قيم عصرنا ، غصة في القلب و لهيب حارق للاعصاب و مدمر للفكر العميق الناقد ،مثلما ينخر السوس الخشب .إنهما آلتي هدم لجودة الفكر و رجاحة النقد ، بل كائنين فيروسيين تلازمان عصرنا و تتغيران بطفرات مسترسلة ….
الخفة ، روح العصر… المشترك بين التافه المكشوف والرديء المقنع.
التفاهة … مهرجة لا تخفي قناعها:
التفاهة ، ابنة شرعية للسرعة، كائن خفيف الظل ، تقتحم الفضاء معلنة عن نفسها من أول ثانية: ها أنا ، نابذة للعمق، بسحنة مكياج صارخ، و صوته مرتفع، كثيرة الكلام المتبخر ، ساكنة بالمنصات الرقمية ، لا يظهر من حواراتها الا ميكروفون لا تعلن عن زمن و لا مكان تواجدها وتتنفس من الترندات العابرة و تتغذى بالإعجابات والمشاركات، شديدة الحزن إذا لم يلتفت إليها أحد، صريحة في خفتها، غير جدية، لا تلبس رداء الثقافة، هي فراغ لامع، كفقاعة صابون ملونة بمحاولة لمسها.
الرداءة ….متسللة ببدلة “موظف نموذجي” :
الرداءة، مختلفة، تتنفس وهن العزائم، تنمو بتربة عدم اليقين . ترتدي ثوب الوسطية،لا بجهل فاضح ، ولا بعمق متعب للعقول. تعشق اللون الرمادي ، و المنصات السطحية وتعادي التميز. تتغذى بالقليل، بصوت خافت تهمس، يكفي… لا داعي للمزيد. تحاكي الجميع، لا تذم و لا تمدح ، خارقة التكاثر في زمن السرعة ، في الإعلام مستعجلة بلا قيمة، وفي التعليم شهادة بلا وعي ترتدي ظلما رداء الريادة ، وفي العلاقات تفاهم بلا محتوى. بظهورها يهرب العمق و بسطحيتها تحتكر الحوار .
التفاهة و الرداءة …. بوجه تالث لعملة واحدة:
رغم اختلاف الأسلوب، فلهما الجوهر ذاته ، فهما عدوتان للعمق، و نتاج ثقافة الاستسهال، تتكاثران بغياب النقد. أما الفارق الجوهري ففي الاستراتيجية.
فالتفاهة صريحة الخفة تحارب العمق من الباب ، ضحيتها الوقت و تموت بمواجهتها بالصمت .
أما الرداءةترتدي عباءة الجد تتسلل من النافذة ، ضحيتها القيمة ، و تعمر طويلا لعدم الانتباه لوجودها .
التفاهة صفعة على الوجه مؤلمة لكنك تعرف مصدرها. أما الرداءة فسم بطيء في عسل ببطاقة جودة و ريادة ، لا تشعر به إلا بعد فوات الأوان بتسطيح الأجيال . ومعا، يشكلان ثنائي مدمر للوعي الجمعي في عصر السرعة