” شاطئ ملوث وغير محروس”

3,356

” شاطئ ملوث وغير محروس”
 بقلم أحمد الحضاري

لا أذكر التاريخ الذي كتب فيه هذا التحذير المستفز لساكنة تعشق البحر بأسفي كما تعشق السردين..

لكني لا أزال أتذكر حيث كتبت، وبالبنط العريض، على حائط مدخل ذات شاطئ عاصمة السردين..
ذات صباح من أيام الصيف، والشباب، فوجئنا بإغلاق الباب الرئيسي للشاطئ بسلسلة من حديد، وإعلان أن مياهه ملوثة..ولأننا كنا شبابا نحب ممارسة الشغب، وبدون حدود، قفزنا إلى ما وراء السياج لممارسة هوايتنا في فصل الصيف، أي التمدد على الرمال الذهبية المميزة لشاطئ حاضرة المحيط، وأخذ حمام شمس، حارق أحيانا، والغوص داخل مياه البحر المالحة، ومعانقة امواجه..
ل” البلايا” أو “La plage” بآسفي لها طعم خاص..كما لها عشق خاص..تستقطب جميع فئات المجتمع..الغني كالفقير..
والشيخ كالشاب، كالطفل..جميعهم حين يرتمون وسط المياه المالحة تختفي فوارقهم..أما حين تلون الشمس جلودهم الملمعة بزيت الزيتون المخلوط بماء الحامض او سائل الخل، فتتشابه ألوانهم..وتتوحد سحناتهم..فأبناء اسفي قديما واليوم، لا أحد يمكن أن يمنع عشقهم لشاطئهم المميز الجميل..
ولذلك لم نلتفت ساعتئذ لإعلان أنه”ملوث “..التي أثارت استغرابنا واستهزاءنا..
كنا ونحن شباب حين نصاب بالأمراض الجلدية كالبهق مثلا، نتداوى بالغوص بمياه شاطئنا المشبعة بالكبريت المتسرب من المرفأ التجاري حيث ترسو بواخر عملاقة تشحنه إلى موانئ أوروبا..وحين تجف أنوفنا وتراودنا “المنزلة” نستنشق ونستنثر تلك المياه..فكيف نصدق أنه ملوث وغير صالح للسباحة!؟
أما أنه غير محروس فذلك ما كنا نبتغيه ونطرب له، في تلك المرحلة العمرية..حيث نتعلم السباحة ونتدرب على تقنيات “الفتيل والدراع وكريبة”..ونتشكك في كل رواية رسمية!!؟؟
مرت أيام وشهور، فأطلق سراح الشاطئ، وكسرت سلاسله، وفرحنا لهزيمة من قرروا أنه ملوث وغير محروس..ثم مرت أيام وشهور فبنيت داخله مراحظ، و”دوشات” مجهزة بالماء لأجل الاغتسال وإزالة مذاق الملح من على أجساد المصطافين، فازدادت شكوكنا في كل ممارسة رسمية، وتأكد ذلك بعدما صارت تلك البنايات مجرد أطلال وأماكن للاختباء (الفاحش)..قبل أن تنسفها عوامل التعرية الطبيعية والبشرية..
ثم مرت أيام وشهور، بل وسنوات، وحصل شاطئ الحاضرة، ولمرات عديدة على اللواء الأزرق..وحرص من بيدهم الأمر والنهي على أخذ صور تذكارية ساعة رفعه في السماء ليرفرف مع هبوب الرياح..كما رفعت رايات الحراسة على اختلاف الوانها، واصطف الامن على مدخله، وتنقلوا وسطه، لإضفاء المزيد من الحراسته المشددة..
لكن الذي لم يتغير، هو طعمه المالح ومذاقه المشبع بالكبريت، تماما كما لم يتغير لون رماله الذهبية..
فهل كنا على حق، مرحلة الشباب، حين رفضنا الرواية الرسمية حول شاطئنا!؟
Peut être une image de étendue d’eau
Vous et 2 autres personnes
تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

المخيم البلدي بأسفي: إهمال..إقبار..كلاب ضالة