
بقلم ذ سعيد البهالي
تمهيد
تتأسس التجربة الإبداعية للفنانة الدكتورة أسماء غريب ـ الأسفية المقيمة بإيطاليا ـ على تصور يتجاوز الحدود التقليدية بين الفنون والأنماط التعبيرية، إذ تتداخل في مشروعها الكتابة والشعر والرواية والتشكيل، وتتقاطع فيها الصورة واللون والحرف والرقم والرمز مع أسئلة الذات والوجود والروح والطبيعة، ولا يبدو الفن التشكيلي، في ضوء خطابها عن تجربتها، ممارسة تقنية غايتها إنتاج موضوع جمالي فحسب، وإنما يتحول إلى رحلة مستمرة في الحياة لمعرفة الذات واستكشاف العالم، وإلى بحث عن «السر الأعظم» المسربل بالنور والحبور.
ومن هذه الزاوية، يصعب قراءة أعمالها التشكيلية بمعزل عن منظومتها الفكرية والروحية العرفانية ، فاللوحة عندها ليست سطحًا بصريًا محايدًا، وإنما فضاء تتقاطع فيه التجربة الذاتية مع الذاكرة البعيدة والقريبة، والمكان مع الرمز، والطبيعة مع الإنسان، والحرف مع اللون، والتجربة الحسية مع التأمل العرفاني، ولذلك تتكرر في الخطاب المصاحب للوحاتها مفاهيم مثل: النور، التجلي، الكشف، الرؤية، الرحم، الولادة، الذاكرة الجنينية، الفردوس، الذكر، الحروف، الأرقام، الماء، الشمس، والطبيعة…
وتتيح المادة المتوفرة حول تجربتها بناء قراءة في عدد من مستوياتها الأساسية: لحظة الانبثاق التشكيلي، والرحم والذاكرة بوصفهما أصلًا رمزيًا للصورة، وآسفي ووادي الشعبة باعتبارهما فضاءين مؤسسين للخيال، واللون والحرف باعتبارهما لغتين للمعنى، والعرفان باعتباره أفقًا معرفيًا وجماليًا، ثم موقع التجربة من الفن الفطري والتعلم الذاتي.
استكمال المسار الدراسي ولحظة الانفجار الإبداعي
تحدد أسماء غريب سنة 2012 بوصفها سنة مفصلية في مسارها التشكيلي، إذ تعتبرها «سنة الانفجار الإبداعي التشكيلي الكبير»([1])، وذلك بعد إنهائها أطروحتها للدكتوراه، ولا ينبغي فهم هذه العبارة فقط باعتبارها تحديدًا زمنيًا لبداية نشاط تشكيلي مكثف، بل يمكن قراءتها، في إطار خطابها الذاتي، باعتبارها لحظة انتقال من مرحلة الكمون إلى مرحلة الانبثاق الخارجي، ومن هنا تأتي استعارة «الحمل التشكيلي» التي تصف المرحلة السابقة، ثم «الولادة الفنية» التي تمثل لحظة الانفجار الإبداعي، فالعمل الفني، في هذا التصور، كان موجودًا في مستوى داخلي سابق على ظهوره الخارجي، إلى أن جاءت لحظة أصبح فيها هذا المخزون قابلًا للتحول إلى صورة ولون وخط، ويصبح «شلال الألوان» الذي ينبثق من الداخل صورة مكثفة لهذه النقلة: فالفن ليس شيئًا يضاف إلى الذات من الخارج، بقدر ما هو كشف لما كان مختزنًا فيها، وهذه الفكرة ستظل حاضرة في حديثها عن الرسم بوصفه استجابة لما تمليه «الكينونة» وما يتبرعم فوق «تراب القلب».
«رحم التخليق» والذاكرة الجمالية الأولى
تكتسب لوحة «رحم التخليق» لآسماء غريب أهمية خاصة في بداية هذا المسار، لأنها، تستحضر فيها حالتها الأولى داخل رحم الأم، باعتباره مكان الإقامة الأول و«الفردوس الأرضي» ،وهنا يتحول الرحم من حقيقة بيولوجية إلى رمز للبدء والخلق والأصل، فالإنسان قبل أن يخرج للعالم الخارجي(الولادة) كان يعيش في فضاء مغلق(الرحم)، وهو ما يسمح للتجربة التشكيلية باستدعاء سؤال الأصل: من أين يأتي الإنسان؟ وكيف تتكون صورته الأولى؟ وما الذي يبقى في الذات من آثار المرحلة السابقة على الوعي؟ وما هو الحدث الأول المسؤول عن تدفق كل الصور حينما يكون الإنسان مازال جنينا؟([2] )، ومن هذا المنظور تأتي عبارة «الذاكرة الجنينية»، وهي أيضًا عنوان إحدى لوحاتها، لتفتح إمكانًا تأويليًا مهمًا، إذ تصبح الصورة التشكيلية محاولة لاستعادة ما لا تستطيع الذاكرة الواعية الوصول إليه بصورة مباشرة، ولذلك لا تقدم اللوحة، في هذا السياق، ذكرى واقعية بالمعنى التاريخي، وإنما تقدم مخيالًا عن الذاكرة الرحمية الأولى، أي عن مرحلة ما قبل تشكل الوعي الظاهر، وتتقاطع هذه الفكرة مع تصورها لـ«عالم الرحم» بوصفه «رحلة البصيرة في عالم الولادة»، فالولادة ليست نهاية الرحلة، بل انتقال من عالم الذر إلى عالم الشهود، ومن حالة إلى أخرى؛ ولذلك يمكن النظر إلى تجربة الرسم نفسها بوصفها نوعًا من إعادة الولادة، أي أن ما هو مختزن في الداخل يتحول إلى صورة مرئية.
العرفان بوصفه أفقًا للتجربة التشكيلية
المفهوم الأكثر حضورًا في خطاب أسماء غريب عن تجربتها التشكيلية هو مفهوم العرفان، فهي تمارس الفن التشكيلي، برؤية عرفانية عميقة ذات «مسوح صوفية نورانية»، وتعتبر كل لوحة «مقامًا جماليًا وحالًا عرفانيًا»، ولا يعني ذلك أن اللوحة عندها تتحول إلى نص ديني أو إلى شرح بصري لمفهوم صوفي، بل إن العرفان يبدو إطارًا لتحديد نوع العلاقة التي تقيمها الذات مع العالم ومع عملية الإبداع، فالفنان، يدخل عالم التشكيل بـ«قلب عارف»، ويعبر الأحوال ويستقر في مقامات الكشف والرؤيا، وحين ترسم يشتعل النور في صدرها وتتشكل الصور في رأسها، ثم تبدأ في «شرب حليب التجليات» الممزوج بالحروف والأرقام والألوان والأسرار، إننا أمام لغة لا تصف العملية الفنية باعتبارها سلسلة من الخطوات التقنية، وإنما باعتبارها حالة داخلية تسبق الصورة وتولد منها، فالصورة لا تكون مجرد قرار واعٍ بتكوين عناصر معينة، وإنما نتيجة لحركة داخلية بين الإحساس والخيال والذاكرة والتأمل، ومن هنا تأتي مجموعة الأسئلة التي تطرحها التجربة حول إمكانية تحويل التجربة العرفانية إلى لغة تشكيلية، بمعنى كيف يمكن للفنان أن يجسد حالة عرفانية شاهقة باللون والتشكيل؟ وكيف يمكنه أن يرسم التجليات والمشاهدات والمكاشفات والمكالمات والفناء والبقاء والصعق والمحق؟ وكيف يستطيع أن يحول الأفكار النورانية المجردة إلى خطاب بصري يصل إلى الجمهورإن هذه الأسئلة تضع التجربة في قلب إشكالية جمالية أوسع: كيف يمكن للفن أن يجعل اللامرئي قابلًا للرؤية دون أن يفقد طبيعته اللامرئية؟
اللون بوصفه بابًا للمعنى
إذا كان العرفان يمثل أحد الأطر الفكرية للتجربة الابداعية لاسماء غريب، فإن اللون يمثل إحدى أهم أدواتها التعبيرية، وتلخصه عبارة «اللون باب واللغة حجاب» موقفًا جماليًا بالغ الدلالة، فاللون، والمقصود به العمل الفني التشكيلي الإبداعي، في هذا التصور، أكثر قابلية للتأويل من الكلمة، لأنه لا يفرض على المتلقي معنى واحدًا مغلقًا، بل يفتح أمامه مجالًا من الاحتمالات والدلالات والرموز، ومن ثم يصبح اللون لغة غير مكتملة الدلالة عمدًا، فهو لا يشرح، وإنما يوحي ويثير ويكشف ويحجب في الوقت نفسه، ولهذا يكون الرسم «قصيدة ملونة بألوان الحبور وخطوط التجليات»، و استعارة القصيدة هنا تكسر الفصل بين الأدب والتشكيل، فاللوحة لا تعود صورة صامتة، وإنما تصبح قصيدة بصرية، بينما يتحول اللون إلى مفردات، والخط إلى إيقاع، والتكوين إلى بناء شعري، وتزداد أهمية هذا التصور إذا استحضرنا حضور الحروف والأرقام والطلاسم في أعمالها، فاللوحة لا تتخلى عن الكتابة كليًا، بل تعيد تنظيم علاقتها بها، ومن هنا تنشأ مفارقة خصبة مفادها أن الحرف حاضر داخل اللوحة، لكنه لا يعود هو الحاكم الوحيد للمعنى، إذ يدخل في حوار مع اللون والشكل والرقم والرمز.
الحرف والذكر والمواد ذات الحمولة الرمزية
تستعمل أسماء غريب في لوحاتها التشكيلية، الحروف وآيات القرآن الكريم وأسماء الله الحسنى، مع حضور خاص لاسمي الحي والقيوم، كما تمزج الألوان بالحناء وتحبر الحروف بماء الورد والزعفران، وتمنح هذه الممارسات العمل الفني بعدًا يتجاوز الوظيفة الزخرفية للحرف، فالحرف هنا علامة ذات حمولة معرفية وروحية، والآية والذكر يدخلان في بنية اللوحة بوصفهما جزءًا من عالمها الرمزي،أما استخدام الحناء وماء الورد والزعفران، فيضيف إلى التجربة بعدًا حسيًا وماديًا تقليديا، إذ لا يبقى اللون مجرد مادة بصرية، وإنما يصبح مرتبطًا بالرائحة والذاكرة والموروث الثقافي الضارب في القدم والعراقة، وهكذا يتداخل الحسي بالروحي، والمادي بالرمزي، ومن هنا نفهم وصف اللوحة بأنها تكاد تكون «تعويذة روحانية ممتلئة بالأسرار النورانية»، وهذه العبارة لا ينبغي التعامل معها باعتبارها وصفًا تقنيًا للوحة، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن كيفية تمثل الفنانة لعملها ووظيفته الرمزية.
الإنسان بين الرحم والولادة والوجود
يحضر الإنسان في أعمال أسماء غريب حضورًا قويًا ودالا، سواء ظهر كاملًا أم في أجزاء منه( خاصة العين)، وهذا الحضور مرتبط، بحكاية خروج الإنسان إلى الوجود وبمفهوم خلافته لله في الأرض، في ثنائية العمارة والعبادة، وبذلك لا يصبح الجسد مجرد شكل تشكيلي، بل حاملًا لسؤال الوجود الأكبر، فالإنسان يبدأ من الرحم وما قبله (عالم الذر)، ويخرج إلى العالم الخارجي (عالم الشهادة)، ويخوض رحلة الحياة (عالم الشهود)، ويبحث عن المعنى، ويواجه الألم والفرح، ثم يحاول أن يتجاوز عبودية الأنا ليتجاوز ثقل الطين على لطافة الروح في رحلة تمتد على طول العمر، وهنا تلتقي رمزية «طين آدم» مع «طين التخليق»، وتتصل بسفينة الماء ورحلة الخلاص، إننا أمام شبكة من الرموز التي تعيد صياغة قصة الإنسان تشكيليا بوصفها رحلة من الأصل إلى الوجود، ومن الأنا إلى التجاوز، ومن الظاهر إلى الباطن.
آسفي ووادي الشعبة: جغرافيا الذاكرة الإبداعية
لا يمكن فهم تجربة أسماء غريب دون الوقوف عند مدينة آسفي، التي تحضر بقوة في عالمها الإبداعي التشكيلي والشعري والروائي، فآسفي ليست، مجرد مكان للولادة أو الإقامة، وإنما فضاء رمزي يحمل صفات متعددة: مدينة «عارفة بالله»، ومدينة التنوير والإزهار، و«أرض أطلانتيد». ومن هنا جاءت أعمال تشكيلية مثل لوحة «ابنة أطلانتيد»، التي تربط الذات المبدعة بالماء والشمس والريح وسفينة رع وقباب الأولياء الصالحين،ويحضر وادي الشعبة بوصفه مكانًا مؤثرًا في مخيلتها التشكيلية، وتظهر في هذا السياق لوحة «رؤية النور في ربيع الأذريون»، المرتبطة بجمال وادي الشعبة وخصوبته، وبزهر الأذريون وعناصر الطبيعة التي تستحضرها تجربتها،أما تل الخزف الآسفي، فيحتل موقعًا آخر داخل هذا المخيال المبدع،فهو نقطة انطلاق رمزية نحو «الرقصات الروحية»، بما يربط المادة الخزفية بالروح، والطين بالإنسان، والفن بالتحول، ومن اللافت أن هذا الحضور الآسفي لا يتوقف عند التشكيل، بل يمتد إلى أعمالها الروائية والشعرية، ومن بينها روايات «آنا النقطة» و«وريثة السر» و«السيدة كركم»، وديوان «الفرعون الصغير والأييل الملكي»…([3])،وهكذا تبدو آسفي في مشروعها الإبداعي مكانًا وذاكرة ورمزًا ومصدرًا للصور في آن واحد.
الطبيعة بوصفها أكاديمية فنية :الفن الفطري والتعلم الذاتي
تقول أسماء غريب عن نفسها إن «الطبيعة أمي، وأكواني الداخلية أكاديميتي، ومرشد الروح وأستاذي ومعلمي الأول هو قلبي المبحر بنور المحبة»([4])،وتكشف هذه العبارة عن تصور خاص للتكوين الفني، فالأكاديمية هنا ليست مؤسسة تعليمية، وإنما العالم الداخلي والطبيعة والتجربة الذاتية، ولذلك تصف نفسها بأنها ذاتية التعلم، وأنها لم تدخل عالم الفن من باب المدارس الفنية وإنما من باب الفطرة والعفوية.
إن الطبيعة في هذا التصور ليست موضوعًا للرسم فقط، بل معلمًا، منها تستلهم أفكارها، وبها تكتشف الألوان والأشكال والإيقاعات، ثم تعيد إنتاجها وفق ما يمليه عالمها الداخلي،وهذا ما يفسر حضور الماء والشمس والريح والزهور والفصول والمجرات والكواكب في لوحاتها التشكيلية، فالطبيعة لا تظهر كمنظر خارجي فحسب، وإنما تتحول إلى مرآة للذات المبدعة.
أسماء غريب فنانة تشكيلية ذاتية التعلم، و تجربتها تنتمي إلى الفن الفطري الذي يقوم على البساطة والعفوية والاسترسال في الخيال وصقل الموهبة بالممارسة، وتأكيد دوما على العفوية والذاتية وعدم الخضوع الصارم للقواعد والمناهج والتنظير، فهي ترسم ما تمليه عليها كينونتها، وما تراه متبرعمًا فوق أرض قلبها الندية وترابه المدهام،وهنا لا تعني العفوية غياب الخبرة، بل يمكن أن تكون نتيجة تفاعل طويل بين الموهبة والممارسة والتأمل.
التماهي بين الفنان واللوحة والمتلقي
من أكثر العبارات دلالة في خطاب أسماء غريب قولها:«أنا اللوحة والفنان، وأنا المرسوم والمرسوم له، وأنا اللوحة والخميرة، وأنا التوب والريشة، وأنا المتلقي والمبدع.»([5])،وتكشف هذه العبارة عن محاولة لتجاوز الحدود الثنائية التي تفصل عادة بين الفنان والعمل والمتلقي ، فالذات هنا لا تقف خارج العمل لكي تصنعه، وإنما تدخل إليه وتصبح جزءًا منه، ويصبح الإبداع، وفق هذا التصور، فعلًا دائريًا تتداخل فيه الذات والموضوع: الفنان يرسم ذاته، واللوحة تكشف الفنان، والمتلقي يعيد إنتاج المعنى من خلال تجربته الخاصة وهذا التماهي ينسجم مع قولها إنها حين تدخل «محرابها الإبداعي» ترسم ما تمليه عليها كينونتها، فاللوحة، في النهاية، ليست موضوعًا منفصلًا عن الذات، بل امتداد مرئي لعالمها الداخلي.
«رقصة الروح» في ملكوت الجمال التشكيلي
تتكرر في عناوين لوحاتها التشكيلية مفردة الحركة والرقص، ومن ذلك لوحة «رقصة الروح» ولوحة«صلاة راقصة» و لوحة «طيور ترقص في الفردوس»، وتكشف هذه العناوين عن رغبة الفنانة المبدعة في تحويل السكون التشكيلي إلى حركة روحية فرحة ومتحركة، فالرقص كعنوان دال في لوحاتها التشكيلية، ليس مجرد حركة جسدية دالة على الفرح والحبور فقط، وإنما استعارة عميقة للتدفق الداخلي المستنير، الإنسان «يرقص» عبر الفن حين يترك «أغنية اللون» تصل إلى أعماق قلبه،وهذا يفتح إمكانًية لقراءة التكوين التشكيلي للوحاتها بوصفها إيقاعًا بصريًا، فالخطوط والألوان والعناصر لا تتجاور فقط، بل تدخل في حركة داخلية تستدعي الموسيقى والرقص والصلاة داخل محراب إبداعي كبير، ومن هنا يلتقي البعد الجمالي بالبعد الروحي: الصلاة تصبح راقصة بما تحمله من تأمل ودعاء وتبتل، والروح تصبح راقصة بما تحمله من قيم الحبور والسعادة، والطيور راقصة في عوالم الفردوس، واللون بدوره يصبح أغنية.
إيطاليا واتساع الأفق البصري
تمثل إيطاليا في خطاب التجربة الإبداعية لأسماء غريب مرحلة أخرى من مراحل الانفتاح الإبداعي، فهي تصفها بأنها «معرض فني مفتوح»، حيث الآثار والمنحوتات واللوحات والمعالم الكبرى حاضرة في الفضاء العام وتدعو إلى التأمل، وتكمن أهمية هذه التجربة، في القراءة النقدية، في انتقال الفنانة من فضائها المحلي الآسفي إلى فضاء حضاري وفني عالمي غني بالموروث التشكيلي الأوروبي المنتمي لعصر النهضة، ولا يعني ذلك قطيعة مع الجذور المغربية والاسفية، بل باعتباره توسيعًا للرؤية الإبداعية وتطويرها وتلقيحها، فهي تدخل عالم الفن بـ«قلب عارف»، وتحمل معها منظومتها الرمزية والروحية، ثم تواجه فضاءً فنيًا جديدًا، وهنا يحدث نوع من الحوار الفني والإبداعي بين الذاكرة المحلية والانفتاح العالمي.
عناوين الأعمال التشكيلية بوصفها عتبات تأويلية
تكشف عناوين لوحات أسماء غريب عن اتساع الحقل الرمزي الذي تتحرك فيه تجربتها، ومن بينها:«عين الشهادة والشهود»، «الشمس التي رأيت في وادي الشعبة»، «رحم التخليق»، «الذاكرة الجنينية»، «رؤية النور في ربيع الأذريون»، «رقصة الروح»، «صلاة راقصة»، «سفينة الماء»، «طيور ترقص في الفردوس»، «ابنة أطلانتيد»، «أخناتون»، «ورقة القبقب الأحمر»، «أنا رع»، «حوار مع قطب الخيال والإيذاء»، و «صواع ملك الملوك»…ولا تبدو هذه العناوين مجرد تسميات تعريفية للوحات فنية، بل تؤدي وظيفة أشبه بـ العتبات التأويلية، فهي تهيئ المتلقي للدخول إلى عالم اللوحة قبل النظر إليها،فـ«رحم التخليق» يحيل إلى الأصل والولادة، و«الذاكرة الجنينية» تحيل إلى الماضي السابق على الوعي، و«سفينة الماء» ترمز إلى الرحلة، و«طيور ترقص في الفردوس» تشير إلى الحركة والحرية، و«ابنة أطلانتيد» إلى أسطورة المكان والأصل الاسفي، و«أخناتون» إلى التاريخ القديم والرمز الديني، بينما تحيل «عين الشهادة والشهود» إلى الرؤية والمعرفة والشهادة…وبذلك يتحول العنوان نفسه إلى جزء من البنية الدلالية للعمل التشكيلي.
بين الحرف واللون، وبين الظاهر والباطن
يمكن اختزال جانب مهم من التجربة التشكيلية لسماء غريب في ثنائية الحرف واللون. فالحرف يمثل عالم القول والتحديد، بينما يمثل اللون عالم الإيحاء والانفتاح، وذلك أن اللون باب والحرف حجاب، لكن المفارقة أن الحرف لا يغيب عن اللوحة، بل يحضر داخلها بقوة، إلى جانب الرقم والطلاسم والعلامات، ولذلك فإن العلاقة بين الحرف واللون ليست علاقة إقصاء وتنافر، وإنما علاقة شد وجذب وتكامل، فالحرف يمنح العمل أثرًا لغويًا ومعرفيًا وهوياتيا، واللون يمنحه مجالًا للتأويل البصري عند المتلقي العارف الحاذق، وبينهما تتشكل لغة ثالثة لا هي كتابة خالصة ولا تشكيل خالص، وإنما لغة تجمع المرئي والمقروء والمرموز،وهذا من أهم الجوانب التي يمكن أن تمنح التجربة الابداعية خصوصيتها، لأن أسماء غريب لا تكتفي بنقل الأدب إلى اللوحة، ولا بتحويل الكتابة إلى زخرفة، وإنما تدخل الحرف والرقم واللون في نظام رمزي واحد.
وظيفة الفنان ورسالة الإبداع
لا تنظر أسماء غريب إلى الفنان باعتباره منتجًا للجمال فقط، بل تعتبره طريقًا من طرق تلقين الحكمة الإلهية وتمريرها من كينونة إلى أخرى، ليكون مؤثرًا وصاحب رسالة فكرية وتنويرية،
وهنا يظهر مفهوم الفنان الرسالي، أي الفنان الذي يرى في العمل الإبداعي وسيلة للتأثير في الوعي، ويصبح الإبداع، قادرًا على رفع «حجب التفكير الزائف والعقل الأعمى» وكشف «أسرار الوعي وأنوار الذات»، وبذلك تتجاوز الوظيفة الجمالية للوحة إلى وظيفة معرفية وتأملية،غير أن القيمة النقدية لهذا التصور لا تتحدد بمجرد إعلان الرسالة، بل بقدرة العمل نفسه على تحقيقها، ولذلك يبقى السؤال المفتوح: هل تستطيع العلامات والألوان والتكوينات أن تنقل التجربة الداخلية إلى المتلقي دون أن تتحول إلى رموز مغلقة؟
وهذا السؤال يعيدنا إلى الإشكالية التي تطرحها الفنانة نفسها حول صعوبة تحويل التجربة العرفانية المجردة إلى صورة تشكيلية ناطقة، ومن ذلك عجز الفنانين التشكيليين عن نقل التوجهات والتوهجات العرفانية لرابعة العدوية مثلا أو الحلاج أو السهروردي إلى لوحات فنية تجسد النشوة العرفانية وفيوضات الذات الإلهية وأنوارها، وهو ما نجح فيه نسبيا بعض الفنانين الأوربيين.
خاتمة
تكشف التجربة الإبداعية لأسماء غريب في شقها التشكيلي ، عن مشروع متعدد المستويات تتداخل فيه الذات والروح والمكان والطبيعة والحرف واللون والذاكرة والرمز، فمنذ لحظة الانبثاق التشكيلي التي تحددها سنة 2012، تتقدم اللوحة باعتبارها ولادة لما كان مختزنًا في الداخل، ويشكل «رحم التخليق» و«الذاكرة الجنينية» مدخلًا رمزيًا إلى سؤال الأصل، بينما يتحول الإنسان إلى مركز لسردية الخروج إلى الوجود والبحث عن المعنى،وفي الجانب الآخر، تصبح آسفي في لوحاتها التشكيلية أكثر من مجرد مكان، إنها ذاكرة وفضاء رمزي ومنبع للصور، يتصل بتل الخزف ووادي الشعبة وأطلانتيد وزهر الأذريون والماء والشمس والريح، ويمتد حضوره من التشكيل إلى الرواية والشعر، أما العرفان، فيوفر للتجربة التشكيلية إطارها الروحي والمعرفي، بينما يمنحها اللون لغتها البصرية الأكثر انفتاحًا، ويأتي الحرف والرقم والذكر والآية القرآنية والحناء وماء الورد والزعفران… لتكوين منظومة علامات تقليدية تتجاوز الفصل بين الأدبي والتشكيلي، وبين المادي والروحي، وتبدو أسماء غريب، في تصورها لذاتها الفنية، فنانة ذاتية التكوين، تنطلق من الطبيعة ومن الأكوان الداخلية ومن القلب بوصفه معلمًا أول، ولا تجعل المدرسة الفنية أو القاعدة النظرية نقطة انطلاقها الأساسية ،كما أن تأثرها بالفنانة فاطمة الكوبوري يضيف إلى تجربتها بعدًا محليًا داخل فضاء الفن الفطري الآسفي، ويكشف عن وجود حوار بين تجارب فنية تنتمي إلى المجال الجغرافي والثقافي نفسه.
في النهاية، يمكن القول إن التجربة التشكيلية لسماء غريب تقوم على رحلة من الداخل إلى الخارج ومن الظاهر إلى الباطن: من الرحم إلى الولادة، ومن الذاكرة إلى الصورة، ومن الحرف إلى اللون، ومن الطبيعة إلى الذات، ومن آسفي إلى العالم، ومن المادة إلى الرمز، إنها محاولة لتحويل التجربة الداخلية إلى لغة بصرية فنية، وتحويل اللون المحدود إلى باب للمعنى اللامتناهي، وجعل اللوحة التشكيلية فضاءً للبحث عن الجمال والحقيقة، ولعل العبارة الأكثر اختصارًا لهذا المشروع هي تلك التي تلخص تجربتها باعتبارها رحلة بين عرفانية الحرف وقداسة اللون بحثًا عن أسرار المعنى وكوامن الجمال الخلاق، وهي رحلة لا تقدم نفسها بوصفها أجوبة نهائية، بقدر ما تظل مفتوحة على السؤال، والكشف، والتأمل، وإعادة اكتشاف الذات والعالم عبر الفن.
[1] ـ انظر أسماء غريب : بندول إيزيس : تأملات فكرية في علاقة الفن التشكيلي بالتجربة العرفانية صفحة 7
[2] ـ نفسه صفحة 10
[3] ـ انظر سعيد البهالي : “تجليات المكان الاسفي في رواية انا النقطة” مطبعة بلال فاس 2023
[4] ـ أسماء غريب: رحلة المئة سؤال وجواب ج 1 صفحة 196
[5] ـ أسماء غريب: رحلة المئة سؤال وجواب ج 1 صفحة 196
