بقلم سعيد البهالي
مدخل: استعادة امرأة من الذاكرة النضالية غير المؤرشفة
لا تستقيم كتابة تاريخ الحركة النقابية المغربية باستحضار أسماء القيادات التي احتلت مواقع القرار وفرضت حضورها في الصحافة والوثائق الرسمية فقط ، فجزء مهم من هذا التاريخ صنعته مناضلات ومناضلون ظل حضورهم الفعلي في الميدان أكبر بكثير من حضورهم في الأرشيف وفي الكتابة التاريخية، وتقدم تجربة المناضلة الآسفية حبيبة الزاهي نموذجًا دالًا لهذه الفئة من الفاعلين الذين يمكن إدراجهم ضمن ما يصح تسميته بـالذاكرة النضالية غير المؤرشفة.
إن استعادة مسار حبيبة الزاهي لا ترمي إلى كتابة سيرة تمجيدية أو رثائية لشخصها، وإنما إلى إعادة إدراج تجربة نسائية فاعلة في السردية التاريخية للحركة النقابية المغربية، والكشف عن مسار امتد من النضال السياسي والطلابي إلى العمل النقابي والحقوقي والنسائي، ومن بادية مدينة آسفي إلى الدار البيضاء، قبل أن تصبح صاحبة حضور داخل أجهزة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل على المستوى الوطني والدولي.
تكتسب هذه السيرة أهميتها من كون صاحبتها عاشت مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المغرب المعاصر، مرحلة السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، بما عرفته من صراع سياسي واجتماعي، وتوترات نقابية، واحتجاجات عمالية وطلابية، وتطور تدريجي في حضور النساء داخل التنظيمات السياسية والنقابية والجمعوية.
من النضال السياسي والطلابي إلى العمل النقابي
ازدادت حبيبة الزاهي يوم رابع يوليوز سنة 1959 بجماعة احرارة إقليم آسفي،وتشير الشهادات المتوفرة إلى أن المسار النضالي لحبيبة الزاهي بدأ في المرحلة الطلابية، إذ انخرطت في العمل السياسي خلال سبعينيات القرن العشرين، ثم واصلت نشاطها في صفوف الحركة الطلابية داخل إطارها العتيد الاتحاد الوطني لطلبة المغرب في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات بكلية الحقوق جامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، ومن هناك حصلت على الاجازة في شعبة الاقتصاد ، وقد تركت التجربة الطلابية أثرًا واضحًا في تكوينها السياسي والنقابي اللاحق، ففي شهادة منشورة عنها، وُصفت بأنها خاضت النضال التلاميذي في أوساط السبعينيات، ثم انتقلت إلى الحركة الطلابية، وكانت معتقلة سياسية بسبب أفكارها السياسية، وقد سبق لها المشاركة في المؤتمر الوطني السابع عشر للاتحاد الوطني لطلبة المغرب المنعقد بالرباط سنة 1981.
لم تكن المرحلة الطلابية بكل حمولاتها النضالية والتنظيمية والفكرية بالنسبة لحبيبة الزاهي مجرد محطة عابرة، بل شكلت، كما صرحت هي نفسها لاحقًا، جزءًا من الحمولة السياسية والنضالية التي حملتها معها إلى الحياة المهنية، ففي حوار منشور سنة 2006، قالت إنها حين التحقت بعملها بالمكتب الوطني للبريد لم تكن «مستخدمة عادية»، وإنما كانت قد جاءت من تجربة نضالية وتنظيمية سابقة في الاتحاد الوطني لطلبة المغرب، وهو ما منحها استعدادًا لمواصلة النشاط النضالي والنقابي داخل المؤسسة، وهنا تبرز أهمية السيرة الفردية في فهم انتقال جزء من الجيل الطلابي إلى الحقل النقابي في مرحلة ما بعد التخرج والتوظيف ، فالمؤسسة المهنية المشغلة لم تكن بالنسبة إلى حبيبة الزاهي فضاءً للفعل الوظيفي الرتيب فحسب، وإنما أصبحت مجالًا جديدًا لمواصلة مشروعها النضالي.
من الجامعة إلى البريد والمواصلات
بعد تخرج حبيبة الزاهي من الجامعة، في شعبة الاقتصاد، التحقت بالمكتب الوطني للبريد، ثم انخرطت في النقابة الوطنية للبريد والمواصلات التابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وكان انتقالها إلى العمل النقابي انتقالًا عضويًا أكثر منه قطيعة مع الماضي، فقد دخلت المؤسسة وهي تحمل تجربة سياسية وتنظيمية وطلابية سابقة، ثم ساهمت في تأسيس العمل النقابي داخل قطاع الاتصالات بالدار البيضاء، وتكشف شهادتها المنشورة سنة 2006 عن تفاصيل دقيقة لهذه المرحلة، فقد ذكرت أنها ساهمت في تشكيل مكتب نقابي لاتصالات المغرب بالدار البيضاء، وتولت مسؤولية نائبة الكاتب العام للمكتب النقابي للقطاع، وكانت منسقة وطنية للنقابة الوطنية باتصالات المغرب(ك د ش)، وبعد المؤتمر الوطني لنقابة البريد والمواصلات سنة 1996 أصبحت عضوًا في المكتب الوطني، وكانت، بحسب شهادتها، العضو النسائي الوحيد فيه، وهذه المعطيات مهمة لأنها تفسر صعودها اللاحق داخل الأجهزة النقابية ل ك د ش ، فقد كان حضورها التنظيمي نتيجة تراكم طويل من العمل الميداني، وليس نتيجة تعيين فوقي أو تمثيلية رمزية للمرأة.
الاعتقال والنضال في سياق سنوات التضييق
يحتل الاعتقال موقعًا مهمًا في سيرة حبيبة الزاهي،فقد لقبت بدبابة النضال التي لا تعرف الملل أو الكلل،تتقن التفاوض كما تتقن خوض المعارك النضالية، وتفيد شهادة المناضل نور الدين رياضي بأن حبيبة الزاهي اعتُقلت إلى جانب عدد من المناضلين النقابيين خلال فاتح ماي سنة 1982 عندما منعت السلطات احتفالات فاتح ماي بالنسبة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وقد اعتقلت عندما كانت تشارك عائلات المعتقلين السياسيين المشاركين في فاتح ماي رفقة الاتحاد المغربي للشغل ، فتمت محاصرتهم و اقتيادهم إلى كوميسارية المعاريف بالدار البيضاء، وقد لاقت أصنافا من التضييق بفعل نشاطها النقابي وتأطيرها للعمال والإشراف على تأسيس مكاتب نقابية متنوعة تابعة للكونفدرالية الديمقراطية للشغل (الإشراف على تأسيس المكتب النقابي لعمال كوكاكولا، الإشراف على المؤتمر التأسيس للنقابية الوطنية لعمال ومستخدمي الفنادق يونيو 2002 بمدينة مراكش…)
المرأة والنقابة: من الحضور في القاعدة إلى صناعة القرار
لم تكن حبيبة الزاهي ترى القضية النسائية منفصلة عن العمل النقابي والحقوقي. وفي حوارها سنة 2006، تحدثت بوضوح عن مشكلة حضور النساء داخل الأجهزة التنفيذية للنقابات، مميزة بين وجود المرأة في القاعدة وبين وصولها إلى مواقع القرار، وقد عكست تجربتها الشخصية هذه الإشكالية، فقد بدأت من العمل النقابي القطاعي، ثم صعدت تدريجيًا إلى المسؤولية الوطنية،وفي ابريل سنة 1997، خلال المؤتمر الوطني الثالث للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، أصبحت عضوًا في السكرتارية الدائمة للكونفدرالية، ثم بلغت مستوى أعلى من المسؤولية خلال مؤتمر سنة 2001، حيث أصبحت عضوًا في المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل المنبثق عن المؤتمر الوطني الرابع ، وهي عضو بدائرة المرأة الكونفدرالية التابع لنقابة ك د ش، وعضو لجنة التتبع المنبثقة عن اجتماعات المكتب التنفيذي ل ك د ش ومكتب الاتحاد العام لمقاولات المغرب(يوليوز 2005) ،وكان الهدف من هذه اللجنة هو اقتراح الاجراءات الكفيلة بتفعيل الاتفاقيات السابقة بين النقابتين وخاصة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية والمناظرة الوطنية حول التشغيل… وهنا تتحول حبيبة الزاهي من مجرد مناضلة قطاعية معزولة إلى فاعل داخل المركزية النقابية نفسها، كما أن حضورها في المكتب التنفيذي يجعلها جزءًا من دائرة صناعة القرار النقابي على المستوى الوطني، لا مجرد قريبة منها.
قطاع الاتصالات: النضال المهني بوصفه مدرسة للتنظيم
شكل قطاع الاتصالات أحد أهم مجالات النشاط النقابي لحبيبة الزاهي، فقد تحملت مسؤولية وطنية في القطاع، وأصبحت من الوجوه الأساسية للنقابة الوطنية للبريد والمواصلات، وتظهر شهادتها المنشورة أنها لم تكن تنظر إلى العمل النقابي باعتباره سلسلة من الإضرابات والمطالب المادية فقط، وإنما باعتباره عملية تنظيم وتفاوض وتكوين مستمرة، وقد تحدثت عن أن العمل النقابي يحتاج إلى جهد يومي وتضحيات، وأن نتائجه لا تظهر بالضرورة في اللحظة نفسها وإنما على المدى البعيد، وفي حواراتها الصحفية كانت واضحة أيضًا في الدفاع عن مبدأ التفاوض قبل اللجوء إلى الإضراب، مع الاحتفاظ بحق النقابة في الأشكال النضالية عندما تستنفد وسائل الحوار، كما ربطت العمل النقابي بقضايا أوسع من الأجور وشروط العمل، مثل التعليم والصحة وارتفاع الأسعار والحركات الاحتجاجية الاجتماعية، وبذلك يتضح أن تصورها للنقابة كان يتجاوز النقابة المطلبية الضيقة نحو نقابة ترى نفسها جزءًا من المجتمع وقضاياه.
حبيبة الزاهي والعمل النسائي الجمعوي
طورت حبيبة الزاهي ملكات التكوين والتاطير والتواصل، وكانت ضمن النواة الأولى للنضال النسائي الجمعوي، فلم يكن انخراطها في العمل النسائي لاحقًا على تجربتها النقابية، بل كان جزءًا من تكوينها النضالي، وقد دفعتها تجربتها الطلابية الغنية إلى التفكير في أشكال جديدة للعمل النسائي والاجتماعي، ومن بينها إنشاء أندية نسائية داخل دور الشباب، ومحاربة الأمية وتأطير النساء، كما ربطت بصورة صريحة بين النضال النقابي والعمل الجمعوي النسائي، معتبرة أن الفئتين اللتين تدافع عنهما ــ العمال والنساء ــ تنتميان إلى الفئات الأكثر تعرضًا للاضطهاد والهشاشة، فهي عضو بالمجلس الوطني للمرأة الكونفدرالية، وعضو القطاع النسائي للنقابة (دائرة المرأة الكونفدرالية)، كما ارتبط اسمها بالعمل داخل الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب، وهي رئيسة الجمعية المغربية للدفاع عن حقوق النساء ،ومركز فاما الذي تأسس سنة 1992 الذي كانت حبيبة الزاهي إحدى مؤسساته، وهي نقطة ينبغي استكمال توثيقها بالوثائق الأصلية للجمعية، خصوصًا فيما يتعلق بالتواريخ والمسؤوليات التنظيمية، وهنا تظهر إحدى أهم خصائص تجربتها فهي لم تتعامل مع قضية المرأة باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الطبقة العاملة، بل ربطت بين التحرر النسائي والعمل الاجتماعي والنضال النقابي.
من المحلية إلى الوطنية
رغم أن حبيبة الزاهي عبدية الأصل (جماعة احرارة إقليم آسفي)، فإن مسارها النضالي تجاوز المجال المحلي منذ وقت مبكر، فقد انتقلت من آسفي إلى فضاء الحركة الطلابية بالدار البيضاء، ثم إلى قطاع البريد والاتصالات والعمل النقابي الوطني، وأصبحت عضوًا في المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل،كما مثلت نقابة الكونفدرالية في عدد من المحطات الدولية، ومنها المؤتمر الدولي للعمل في جنيف ومنظمة العمل العربي، ومشاركات أخرى ذات صلة بالحركة النقابية الدولية، فقد مثلت نقابتها في الندوة الدولية ” سلم ديمقراطية وتنمية” المنظمة من طرف الكونفدرالية العامة للشغل بإيطاليا بمدينة باليرمو يوم 17 دجنبر 2001، كما شاركت ضمن الوفد العمالي المغربي في الدورة 91 لمنظمة العمل الدولية المنعقد بجنيف ما بين 2و19 يونيو 2003، ثم ضمن الوفد المغربي سنة 2005، و شاركت في لقاءات نقابية نسائية دولية منها لقاءات مع التنظيم النسائي للكونفدرالية النقابية المسيحية في بلجيكا، حيث ارتبط النقاش بالعلاقات الثنائية بين التنظيمين النسائيين للنقابتين CSC و CDT وبقضايا المرأة المغربية ومدونة الأسرة، ،وشاركت ضمن الوفد المغربي في أشغال منظمة العمل الدولية المنعقد بجنيف ما بين 13 ماي و16 يونيو 2005، وهذا الحضور الدولي يؤكد أن وصفها بالمناضلة «العبدية» لا يعني حصر تجربتها في مدينة آسفي، وإنما يشير إلى منشئها الاجتماعي والجغرافي وهويتها المحلية التي حملتها إلى المجال الوطني والدولي.
حبيبة الزاهي والكونفدرالية الديمقراطية للشغل
تكشف المصادر المتاحة أن وجود حبيبة الزاهي داخل الكونفدرالية لم يكن وجودًا هامشيًا،فقد مرت من المكتب النقابي القطاعي للبريد والمواصلات إلى المكتب الوطني، ثم إلى الأجهزة المركزية للكونفدرالية، وصولًا إلى المكتب التنفيذي، وفي سنة 2006 كانت تتحدث باسم المركزية النقابية في قضايا تتجاوز قطاع الاتصالات، بما فيها مستقبل العمل النقابي، والحريات النقابية، ومكانة المرأة داخل التنظيمات النقابية، وهذا يجعل تجربتها ذات أهمية مزدوجة: فهي من جهة تاريخ قطاعي يتعلق بالبريد والمواصلات والاتصالات، ومن جهة أخرى تاريخ للمركزية النقابية نفسها، لأن موقعها داخل المكتب التنفيذي جعلها جزءًا من آليات القرار والتفاوض والتوجيه، وتؤكد شهادة أخرى أهمية حضورها حتى خارج قطاعها؛ فقد أشرنا سابقا إلى تدخلها في مسار تأسيس العمل النقابي بمجموعة من المواقع والقطاعات، كما نستحضرها باعتبارها مناضلة صادقة وهبت حياتها للنضال والعمل النقابي وذات حضور في الشبكات النضالية المختلفة.
بين النضال النقابي والنضال السياسي
يصعب فهم تجربة حبيبة الزاهي إذا جرى فصل نشاطها النقابي عن خلفيتها السياسية، لقد مارست تجربة النضال الطلابي داخل الجامعة، وانخرطت لاحقًا في الحركة من أجل الديمقراطية وأصبحت عضوا بلجنتها الوطنية وتم اقتراحها منسقة وطنية للحركة، وانخرطت بحزب المؤتمر الوطني الاتحادي وأصبحت عضوا بلجنته الإدارية، واستمرت في ممارسة العمل السياسي إلى جانب النشاط النقابي والحقوقي والنسائي، وهذا التعدد لم يكن بالنسبة إليها تناقضًا أو تلونا سياسيا، بل إن تجربتها توضح كيف كان عددا من المناضلين ينقلون أدوات التنظيم والتعبئة والتأطير والتجربة من الجامعة إلى النقابة، ومن النقابة إلى العمل الجمعوي والنسائي، ومن هذه الزاوية، فإن حبيبة الزاهي تمثل نموذجًا لما يمكن تسميته المناضلة متعددة الانتماءات النضالية: سياسية، نقابية، حقوقية، نسائية، وميدانية.
المرأة التي لم يكن يومها يتسع لالتزاماتها
يقال إن 24 ساعة في اليوم لم تكن كافية لحبيبة الزاهي لتفي بكل التزاماتها في الحياة والنضال والتنظيم والتأطير،لأن النضال النقابي المنظم التزام ميداني ومبدئي، ومسؤولية تاريخية تجاه الفئات المسحوقة والأكثر هشاشة، وتتكرر في الشهادات عنها صورة المرأة التي كان نشاطها يتجاوز حدود الوقت المتاح، وهي صورة لا ينبغي قراءتها باعتبارها مجرد مديح شخصي، وإنما باعتبارها تعبيرًا عن طبيعة العمل السياسي والنقابي في جيلها، فالعمل النقابي بالنسبة إليها لم يكن وظيفة إضافية، بل أسلوب حياة يتطلب الحضور في الاجتماعات، والتأطير، والتفاوض، والمسيرات، والإضرابات، والزيارات، والاتصالات، واللقاءات الداخلية والدولية، وقد تحدثت هي نفسها عن الثمن الشخصي للعمل النقابي، وعن التضحية بالحياة الخاصة والمال والوقت، وعن أثر الظروف العائلية في قدرة المرأة على تحمل المسؤوليات النقابية، وهذا البعد مهم في دراسة تاريخ النساء داخل النقابات، لأن صعود المرأة إلى مواقع القرار لم يكن مرتبطًا بكفاءتها وحدها، وإنما أيضًا بقدرتها على تجاوز شبكة من الالتزامات الاجتماعية والأسرية التي كانت تجعل الطريق إلى القيادة أكثر صعوبة.
الموت المبكر واستمرار الحضور في الذاكرة
بعد حياة حافلة بالنضال والتنظيم والتأطير طلابيا ونقابيا وحزبيا وجمعويا في صفوف الطلبة والعمال والنساء ،طورت خلالها ملكات التكوين والتأطير والتواصل، انتهت حياة حبيبة الزاهي في إحدى المصحات بالدار البيضاء يوم الاثنين ثامن يناير 2007 بعد مرض لم يمهلها طويلًا، لكنها تركت وراءها مسارًا نضاليًا امتد من آسفي إلى الدار البيضاء، ومن الحركة الطلابية إلى النقابة، ومن النضال السياسي إلى العمل النسائي والحقوقي، ولم يكن رحيلها نهاية حضورها في الذاكرة النقابية المغربية، فالنصوص التأبينية والشهادات اللاحقة ظلت تستعيد اسمها بوصفها مناضلة ذات حضور في العمل النقابي والنسائي، ووفاتها اعتبرت خسارة كبرى للعمل النقابي والجمعوي والوطني، وتخليد ذكراها لم يكن يراد منه مجرد الرثاء، وإنما «نفض الغبار» عن نساء لعبن أدوارًا في بناء النضال النسوي والنقابي المغربي.
خاتمة: من إنصاف السيرة إلى إنصاف الذاكرة
إن أهمية القيمة النضالية والرمزية لحبيبة الزاهي لا تكمن فقط في المواقع التنظيمية التي تحملتها، رغم أهميتها، ولا في عدد المسيرات والاحتجاجات والمؤتمرات التي شاركت فيها، وإنما في كون سيرتها تتيح لنا إعادة النظر في الطريقة التي كُتب بها تاريخ الحركة النقابية المغربية التي هيمن عليها الخطاب الذكوري،فقد كانت النساء حاضرات في القاعدة، وفي الإضرابات، والمسيرات، والتنظيم، والتأطير، والتفاوض، وفي العمل الجمعوي والسياسي، غير أن الذاكرة المكتوبة لم تحفظ دائمًا هذا الحضور بالقدر نفسه الذي حفظت به أسماء القيادات الذكورية، ومن هنا تصبح دراسة سيرة حبيبة الزاهي محاولة لإنصاف الذاكرة النسائية قبل أن تكون مجرد كتابة لسيرة فردية.
إنها سيرة مناضلة عبدية خرجت من فضاء محلي، وعبرت الجامعة والحركة الطلابية وفصائله، ثم دخلت المؤسسة المهنية، وبنت داخلها العمل النقابي، وصعدت تدريجيًا إلى أجهزة النقابة الوطنية ثم إلى المكتب التنفيذي للكونفدرالية الديمقراطية للشغل، دون أن تتخلى عن العمل النسائي والحقوقي والسياسي، ولهذا فإن إعادة بناء سيرتها لا ينبغي أن تعتمد على مصدر واحد، فالطريق العلمي الأنسب هو الجمع بين الشهادة الشفوية، والوثيقة النقابية، والصحافة المعاصرة، وأرشيف الجمعيات النسائية، والوثائق الشخصية، والوثائق المتعلقة بالمؤتمرات، ثم إخضاعها جميعًا للمقارنة والنقد، وفي هذا الإطار، لا تكون حبيبة الزاهي مجرد موضوع لسيرة شخصية، بل تصبح مدخلًا لإعادة كتابة جانب من تاريخ الحركة النقابية النسائية المغربية من أسفل، أي من خلال النساء اللواتي صنعن الفعل النضالي في الميدان، حتى عندما لم تحفظ لهن الأرشيفات الرسمية والنقابية المكانة التي يستحقها حضورهن التاريخي.
إن إنصاف حبيبة الزاهي، في النهاية، هو جزء من إنصاف جيل كامل من المناضلات اللواتي كن حاضرات في الشارع، وفي الجامعة، وفي المصنع والمكتب، وفي النقابة والجمعية، وفي المعتقل أحيانًا، لكن حضورهن ظل أقل وضوحًا في الكتب من حضوره في الواقع.
