مدرسة Edouard Manet بآسفي: مؤسسة منسية من تاريخ التعليم والثقافة بالمدينة

78

سعيد البهالي

تحتفظ مدينة آسفي، إلى جانب معالمها التاريخية والفنية والصناعية، بذاكرة غنية لمؤسسات تعليمية وثقافية أسهمت، كل واحدة منها بطريقتها، في تشكيل ملامح المدينة خلال القرن العشرين. ومن بين هذه المؤسسات تبرز مدرسة إدوار مانيه (École Édouard Manet)، وهي مؤسسة تعليمية فرنسية ظلت حاضرة في المشهد التعليمي لآسفي لعقود، ثم أعيد توظيف مقرها لاحقًا في أنشطة ثقافية وتعليمية، قبل أن تتراجع ذاكرتها في الوعي الجماعي للمدينة، واللافت أن تاريخ هذه المؤسسة لم يحظ، فيما يبدو، بما يستحقه من البحث والتوثيق، رغم أن الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي يحتفظ بملفات ووثائق وصور عنها، كما أن ذاكرة تلاميذها السابقين تحتفظ بعدد كبير من الصور والشهادات التي تسمح بإعادة تركيب جانب من تاريخها.

مدرسة قائمة في آسفي قبل سنة 1955

    تفرض المعطيات المتوفرة حاليًا تصحيح فكرة قد يقع فيها الباحث عند الاطلاع لأول مرة على الفهرس الأرشيفي الفرنسي. فالأرشيف الدبلوماسي الفرنسي يحتفظ بملف خاص بعنوان:

École Édouard Manet de Safi — 1961–1988

لكن سنة 1961 لا تمثل تاريخ إنشاء المدرسة، وإنما تمثل بداية الفترة التي يغطيها ذلك الملف الأرشيفي، والدليل على ذلك أن صورًا مدرسية قديمة توثق وجود المدرسة قبل هذا التاريخ. فأقدم قرينة مصورة أمكن العثور عليها حتى الآن تعود إلى سنة 1955، وهي صورة لقسم السنة السادسة (6ème) تحمل اسم:

École Édouard Manet – Safi

كما توجد صور أخرى لأقسام المدرسة خلال سنوات 1957 و1958 و1959 و1960، وهو ما يدل على أن المؤسسة كانت قائمة وتمارس نشاطها التعليمي في آسفي خلال خمسينيات القرن العشرين،وعليه، فإن الصياغة العلمية الأكثر احتياطًا في الوقت الراهن هي أن مدرسة  Édouard Manet كانت موجودة في آسفي سنة 1955 على الأقل، في انتظار العثور على وثيقة إدارية تحدد تاريخ تأسيسها بصورة قاطعة، أما بعض الإشارات التي تظهر في مواقع ذاكرة التلاميذ إلى سنوات أقدم، مثل سنة 1946، فلا يمكن اعتمادها في تحديد تاريخ التأسيس ما لم تؤيدها وثائق إدارية أو صور أصلية مؤرخة.

مؤسسة ضمن منظومة التعليم الفرنسي بالمغرب

لم تكن المدرسة الابتدائية  École Édouard Manet مؤسسة معزولة عن السياق التعليمي العام، بل كانت جزءًا من شبكة المؤسسات التعليمية الفرنسية بالمغرب(مؤسسات البعثة الفرنسية)، وتحتفظ مصالح الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي بملف خاص بها ضمن أرشيف المؤسسات التعليمية الفرنسية، وهو ما يكشف عن استمرار الاهتمام الإداري بها خلال مرحلة ما بعد استقلال المغرب، وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة بالنظر إلى التحولات التي عرفها التعليم الفرنسي بالمغرب بعد الاستقلال. فقد استمر الحضور الفرنسي في المجال التعليمي والثقافي في إطار علاقات التعاون التي نظمتها الاتفاقيات الفرنسية المغربية، ولم يؤد استقلال المغرب سنة 1956 إلى اختفاء المؤسسات التعليمية الفرنسية دفعة واحدة، ومن ثم فإن تاريخ مدرسة École Édouard Manet يمثل، في جانب منه، جزءًا من تاريخ الانتقال من مرحلة الحماية إلى مرحلة التعاون الثقافي والتعليمي بين المغرب وفرنسا.

مدرسة متعددة المستويات والتخصصات الدراسية

تكشف الصور المدرسية المحفوظة في ذاكرة تلاميذ المؤسسة عن اتساع نسبي في بنيتها التعليمية،فقد كانت تضم أقسامًا للتعليم الأولي، كما تظهر بها مستويات من التعليم الابتدائي، إضافة إلى أقسام من التعليم الإعدادي وفق التنظيم الفرنسي، مثل:

Maternelle، CP، CE1، CM1، CM2، 6ème، 5ème، 4ème، 3ème.

وتوثق الصور وجود أقسام متعددة في سنوات متتالية، خصوصًا خلال الفترة الممتدة من 1955 إلى منتصف الستينيات، وهذا يعني أن مدرسة Édouard Manet لم تكن مجرد مؤسسة صغيرة للتعليم الابتدائي، وإنما كانت، في بعض مراحلها، تغطي جزءًا مهمًا من المسار الدراسي للتلاميذ الأجانب والمغاربة على حد سواء.

مدرسة التقت فيها مكونات مختلفة من مجتمع آسفي

من أهم الجوانب التي تكشفها ذاكرة المدرسة تركيبة تلاميذها، فأسماء التلاميذ المسجلين في الصور والشهادات المنشورة تتضمن مغاربة وأوروبيين وأفرادًا من أسر يهودية آسفية وغيرها من مكونات المجتمع الذي كان يعيش في آسفي خلال تلك المرحلة،وتظهر ضمن قوائم التلاميذ أسماء مغربية مثل:عبد الرحيم حبيبي، أحمد لغيتي، عبد السلام عبيد، رشيدة غدبان، باهية الخالدي، أمينة دراوي وغيرهم،كما نجد أسماء أوروبية مختلفة خاصة بالجالية الأجنبية التي كانت تعيش بالمدينة،وهذا يسمح بالقول إن المدرسة كانت فضاءً تعليميًا التقت فيه مكونات اجتماعية وثقافية متعددة، وإن كانت طبيعة التوزيع العددي بين المغاربة والأوروبيين تحتاج إلى الرجوع إلى السجلات الإحصائية الرسمية للمدرسة، وعدم الاكتفاء بقوائم الخريجين المنشورة على الإنترنت، وهذه المسألة بالذات تستحق دراسة خاصة، لأنها قد تكشف جانبًا من طبيعة العلاقات الاجتماعية والثقافية داخل آسفي خلال مرحلة ما بعد الاستقلال.

أسماء من هيئة التدريس

تساعد الصور المدرسية والشهادات الشخصية في استعادة بعض أسماء الذين عملوا في المدرسة، وإن كان من الضروري التمييز بين الأسماء المستخرجة من وثيقة إدارية رسمية وتلك الواردة في تعليقات التلاميذ على الصور،ومن بين الأسماء التي أمكن ربطها بالمدرسة:

Alain Legal، M. et Mme Grégoire. M. et Mme Le Gall، M. Moal

Isabelle Audran، Mme Charpentier، وتظهر أيضًا Mme Lemaine مرتبطة بقسم التعليم الأولي، بحسب تسمية إحدى الصور المؤرخة بسنة 1960.

ولا تمثل هذه الأسماء، بطبيعة الحال، قائمة نهائية لهيئة التدريس، وإنما هي الأسماء التي أمكن ربطها حتى الآن بسنة أو صورة أو قسم محدد،كما لا ننسى السيد  Jean Roche مدير المدرسة بين 1970 و1974، ويأتي اسم Jean Roche في مقدمة الشخصيات التي يمكن توثيق علاقتها بالمدرسة بصورة قوية، بفضل الوثائق المحفوظة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي، فقد عمل Roche في مؤسسات تعليمية فرنسية أخرى بالمغرب قبل انتقاله إلى آسفي ، حيث كان مديرًا لـ École Claude Monet بالمحمدية بين 1966 و1970، ثم تولى إدارة École Édouard Manet بآسفي بين 1970 و1974، ويكتسب أرشيفه الشخصي أهمية استثنائية بالنسبة إلى تاريخ المدرسة، إذ يحتفظ الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي بمراسلات وقرارات انتداب وتقارير تفتيش وصور وقصاصات صحفية مرتبطة بمساره المهني،كما توجد في رصيده صور مدرسية لأبنائه الذين درسوا في مدرسة إدوار مانيه بآسفي خلال فترة إدارته لها.

وهكذا يتيح أرشيف Jean Roche إمكانية دراسة المدرسة ليس فقط باعتبارها مؤسسة تعليمية، وإنما من خلال الإدارة والموظفين والتلاميذ والحياة المدرسية اليومية.

سنة 1972: مرحلة إعادة تنظيم المؤسسة

تكتسب سنة 1972 أهمية خاصة في تاريخ مدرسة  Édouard Manet، فخلال فترة إدارة Jean Roche، تحولت المؤسسة إلى ما يعرف في الوثائق الفرنسية باسم:

Groupe d’observation dispersé (GOD) ،وهذا التغيير يعكس التحولات التي عرفتها منظومة التعليم الفرنسي بالمغرب خلال تلك المرحلة، ومن هنا، فإن دراسة تاريخ المدرسة لا ينبغي أن يقتصر على تاريخ بنائها أو أسماء مدرسيها، بل ينبغي أن يربط تطورها بالتحولات التي عرفتها السياسة التعليمية الفرنسية في المغرب خلال الستينيات والسبعينيات.

المدرسة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي

تكمن قيمة مدرسة Édouard Manet  أيضًا في حجم حضورها داخل الأرشيف الفرنسي،

فإلى جانب الملف الإداري:

École Édouard Manet de Safi — 1961–1988

توجد ملفات أخرى في أرشيف السفارة الفرنسية بالرباط وفي أرشيف القنصلية العامة لفرنسا بمراكش، من بينها ملف يتعلق بالمدرسة خلال 1979–1980، وملف آخر يغطي الفترة 1980–1987، وتؤكد هذه الوثائق أن المدرسة ظلت مؤسسة قائمة ضمن شبكة التعليم الفرنسي بالمغرب بعد الاستقلال بسنوات طويلة، كما أن قرارًا فرنسيًا رسميًا صادر عن وزارة الخارجية بتاريخ 23/8/ 1990 ما يزال يدرج المدرسة ضمن المؤسسات التعليمية الفرنسية بالمغرب، ومن ثم فإن سنة 1988، التي تظهر باعتبارها نهاية أحد الملفات الأرشيفية، لا ينبغي تفسيرها على أنها سنة إغلاق المدرسة، ولا تقتصر أهمية الأرشيف الدبلوماسي على الوثائق الإدارية، فهو يحتفظ كذلك بصور فوتوغرافية نادرة للمؤسسة، وتكتسب هذه الصور أهمية خاصة بالنسبة إلى تاريخ العمران المدرسي في آسفي، لأنها قد تسمح، بعد الحصول على نسخها الأصلية، بدراسة تصميم المبنى، وواجهاته، وتنظيم فضاءاته، وعلاقته بالعمارة التعليمية الفرنسية في المغرب.

من مدرسة Édouard Manet  إلى مقر الرابطة الفرنسية

كان مقر مدرسة Édouard Manet في شارع الزرقطوني بمدينة آسفي، واللافت أن مبنى المدرسة لم يختف بعد انتهاء وظيفته التعليمية، بل استمر في أداء أدوار ثقافية متنوعة مرتبطة اساسا بالثقافة الفرنسية،فقد أصبح مقرًا لـ Association Culture et Loisirs (ACL)، وهي جمعية اشتغلت في مجالات ثقافية وفنية متعددة، قبل أن يعاد توظيف المبنى لاحقًا مقرًا لـ Alliance Franco-Marocaine de Safi ، حيث تقام فيه أنشطتها المتنوعة على مدار السنة على مساحة  بلغت حوالي 8000 متر مربع، وقد احتضن بعد إعادة تهيئته قاعات للتعليم والمكتبة والمعارض والسينما وغيرها من الأنشطة،وهكذا تحولت الوظيفة التعليمية للمكان إلى وظيفة ثقافية، واستمرت بذلك صلته بالحياة الثقافية للمدينة.

ذاكرة المدرسة في صور التلاميذ

إذا كان الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي بكل من مراكش والرباط يمثل الذاكرة الرسمية للمؤسسة، فإن الصور التي احتفظ بها التلاميذ تمثل جانبًا من ذاكرتها الاجتماعية والإنسانية،خصوصا عندما ترفق هذه الصور بنقاش من قدماء التلاميذ وذكرياتهم الجميلة عن المدرسة وأطرها التعليمية،وتتيح هذه الصور تتبع المدرسة منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين، مرورًا بالستينيات والسبعينيات، وصولًا إلى العقود اللاحقة،وهي تكشف تفاصيل لا تقدمها الفهارس الرسمية عادة، مثل أسماء التلاميذ، وترتيب الأقسام، وهيئة المدرسين، والملابس المدرسية، وأحيانًا أسماء الأساتذة والتعليقات الشخصية، ومن هنا يمكن أن تصبح هذه الصور، إذا جُمعت ورتبت زمنيًا وتحققت أسماء الأشخاص الواردة فيها، مصدرًا مهمًا لكتابة تاريخ الحياة المدرسية في آسفي.

مدرسة Édouard Manet  في تاريخ آسفي

إن تاريخ مدرسة إدوار مانيه يتجاوز في أهميته تاريخ مؤسسة تعليمية فرنسية واحدة، فالمدرسة بمكان إقامتها وأطرها التعليمية وتلاميذها المختلفة مشاربهم الاجتماعية ، كانت جزءًا من تاريخ آسفي خلال مرحلة شديدة الحساسية من تاريخ المغرب: نهاية الحماية، وبزوغ عهد الاستقلال، وإعادة تنظيم العلاقات الفرنسية المغربية، والتحولات التي عرفها التعليم، ثم تطور العلاقات الثقافية بين البلدين،كما أنها كانت فضاءً التقت فيه فئات متعددة من سكان المدينة خصوصا الأجانب منهم، وهو ما يجعل تاريخها مرتبطًا بتاريخ المجتمع الآسفي نفسه وعلاقاته المتنوعة ،ثم إن استمرار المبنى في احتضان الأنشطة الثقافية للرابطة الفرنسية باسفي بعد انتهاء وظيفته التعليمية يمنح المكان حياة ثانية، ويجعل من تاريخ المدرسة جزءًا من تاريخ الثقافة والفنون في آسفي.

خاتمة: مدرسة  Édouard Manet ذاكرة تنتظر استكمال البحث

تكشف المعطيات المتوفرة اليوم أن مدرسة  Édouard Manet كانت مؤسسة تعليمية مهمة في آسفي، قائمة على الأقل منذ سنة 1955، واستمرت في إطار شبكة التعليم الفرنسي بالمغرب خلال عقود ما بعد الاستقلال، وقد أمكن توثيق عدد من مدرسيها وإدارييها، وأبرزهم السيد Jean Roche الذي أدارها بين 1970 و1974، كما أمكن تتبع استمرار استعمال مبناها في المجال الثقافي بعد انتهاء وظيفته التعليمية، ومع ذلك، لا تزال أسئلة أساسية تنتظر جوابًا وثائقيًا حاسمًا، وفي مقدمتها:

متى تأسست هذه المدرسة بالضبط؟ ومن كان أول مدير لها؟ وهل حملت اسم  Édouard Manet منذ تأسيسها أم تغير اسمها في مرحلة لاحقة؟ وما عدد التلاميذ المغاربة والفرنسيين والأجانب فيها؟ ومن هم جميع المدرسين الذين تعاقبوا عليها؟ وكيف كانت علاقتها بمؤسسات التعليم المغربية في آسفي؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي العودة إلى الوثائق الأصلية المحفوظة في الأرشيف الدبلوماسي الفرنسي خاصة بالسفارة الفرنسية بالرباط والقنصلية الفرنسية بمراكش، ولا سيما ملفات المدرسة للفترة 1961–1988، وملفات السفارة والقنصلية، إضافة إلى أوراق ومستندات المدير Jean Roche وتقارير التفتيش والإحصاءات المدرسية والصور الأصلية،ولعل جمع هذه الوثائق مع الصور التي يحتفظ بها أبناء آسفي وتلاميذ المدرسة السابقون يسمح بإعادة بناء تاريخ هذه المؤسسة، ليس باعتبارها مجرد «مدرسة فرنسية قديمة»، وإنما باعتبارها شاهدًا على مرحلة كاملة من تاريخ مدينة آسفي، مرحلة تداخلت فيها التربية والثقافة والهجرة والتعايش والتحولات السياسية والاجتماعية، وتركت آثارها في ذاكرة أجيال من أبناء المدينة.

إن مدرسة  Édouard Manet ، بهذا المعنى، ليست مجرد اسم على مبنى قديم، إنها جزء من الذاكرة التعليمية والثقافية لآسفي خلال القرن العشرين، وذاكرة هذا المكان لا تزال تنتظر من يجمع شتاتها من الأرشيف والصور وشهادات الذين عاشوا فيه.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في أبرز المواضيع
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

مرصد حقوقي بآسفي يستنكر تفشي الجريمة وترويج المخدرات

عبّر المكتب الإقليمي للمرصد المغربي لحقوق الإنسان والحريات بآسفي عن قلقه البالغ واستيائه ا…