بورتريه | سي محمد المستشير… حين يتحول القلم إلى ذاكرة مدينة

131

رجل عاش بيننا .. بسيط طيب المعشر …. خلط بين التقليد والحداثة في تماه غير مسبوق وسط الجيل الذي عاش فيه ومعه … توله بالصحافة وكان ولهه مميزا .. حيث ظل يكتب ويراسل الجرائد الوطنية إلى أن استقر به المطاف في جريدة وطنية اسمها العلم ..التي ظل مراسلها الرسمي لسنوات في أسفي ..حيث ارتبط اسمه بالعلم وارتبطت العلم باسمه في أسفي …هذا الإنسان الذي غادرنا في غفلة من الجميع وهو يلج قاعة عمليات في صيف مضى ..ظل طيفه يرافق جيل الصحافيين والمراسلين الذين عاشوا معه عز المهنة ..يوم كانت الصحافة تساوي الموقف ..خاصة لما يكون الإعلام رديفا للثقافة والتاريخ والدفاع عن مصالح المدينة ضد الحملات الهوجاء للفساد المهيكل والمحمي …الراحل محمد المستشير ترك تاريخا مكتوبا ..وصورا موثقة باسمه ..زميلنا ميلود رزقي اختار باكورة عمله على جنس البورتريه ..أن تكون مبتدأ بشخصية من عيار ثقيل.

في أزقة آسفي القديمة، حيث تختلط رائحة البحر بعبق التاريخ، تشكلت ملامح سي محمد. من زنقة الرباط إلى حي تراب الصيني و”فران ليهود”، كانت طفولته تمشي على إيقاع مدينة تبحث عن ذاتها في زمن التحولات الكبرى.
بشوش الوجه، هادئ الحضور، لكنه عميق التأمل… هكذا كان منذ سنواته الأولى. في مدرسة الفقيه الهسكوري، ثم الهداية الإسلامية، لم يكن مجرد تلميذ، بل مشروع مثقف يتشكل بهدوء. خارج أسوار المدرسة، كان قلبه ينبض داخل دار الشباب علال بن عبد الله، حيث تعلّم أن الحياة ليست دروساً فقط، بل شغف وهوايات وانخراط في المجتمع.
أحب الكشفية، فتعلم الانضباط وروح الجماعة، وأحب الصورة، فكان يحلم بكاميرا حديثة توثق لحظات مدينته، كما كان يفعل الأجانب آنذاك. كان يرى في العدسة وسيلة لالتقاط الحقيقة، قبل أن يجد في القلم وسيلته الأعمق للتعبير.
نشأ سي محمد في خمسينيات مشحونة، زمن الحركة الوطنية، حيث السياسة ليست نقاشاً عابراً، بل خيار حياة. تأثر برجالاتها، واحتك بأسمائها، فكان ذلك الوقود الذي غذّى وعيه المبكر. وحين التحق بسلك التعليم، لم يكن مدرساً فقط، بل مربياً يحمل رسالة، يؤمن بأن بناء الإنسان هو الأساس.
لكن شغفه الحقيقي كان الكلمة. قارئ نهم، يتتبع ما يصدر من بيروت والقاهرة وبغداد، في زمن كانت فيه هذه المدن منارات للفكر العربي. ومن رحم هذه القراءات، وُلد الصحفي.
في جريدة العلم، وجد صوته. لم يكن مجرد مراسل، بل عين ترصد نبض آسفي، وقلم ينحاز لهمومها. كتب عن البحر، عن الفلاحة، عن التنمية، عن تفاصيل الحياة اليومية… كان قريباً من الناس، يسمعهم ويكتب عنهم.
ساهم في تأسيس جمعية مراسلي الصحف الوطنية بآسفي سنة 1980، وكان من أوائل من وضعوا لبنات العمل النقابي الإعلامي محلياً، كأول كاتب للجنة المحلية للنقابة الوطنية للصحافة المغربية. لم يكن يبحث عن الأضواء، بل عن التأثير.
سي محمد لم يكن صحفياً عادياً… كان ذاكرة تمشي على قدمين. يحلل، يربط، ويفكك، ويكتب بغيرة ابن المدينة، لا ببرودة المراقب. ظل وفياً لقلمه ولمبادئه، حتى وهو في عقده السابع، يعيش نفس الشغف الأول.
رحل في صمت، كما عاش بتواضع… لكن أثره لم يرحل. ترك وراءه إرثاً من المصداقية، وجيلاً من التلاميذ، ومدينة تحتفظ باسمه في دفاترها غير المكتوبة.

إعداد ميلود رزقي

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في شأن محلي
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

عامل إقليم آسفي يودّع حجاج بيت الله الحرام في حفل رسمي مفعم بالدعاء والتوجيهات