البروفيسور سنان حدو: مسار امرأة آسفية من بادية عبدة إلى الطب العسكري والتخصص الأكاديمي

205

سعيد البهالي

مقدمة

     يمثل تاريخ المرأة المغربية في مجالات التعليم العالي والطب والمؤسسة العسكرية أحد الجوانب التي لا تزال في حاجة إلى مزيد من البحث والتوثيق، ولا سيما حين يتعلق الأمر بنساء ينحدرن من الوسط القروي واستطعن، في سياقات اجتماعية وتعليمية لم تكن فيها فرص ولوج الفتاة إلى التعليم العالي متاحة على نطاق واسع، أن يشققن طريقهن نحو تخصصات علمية ومهنية دقيقة.

     في هذا السياق تبرز شخصية البروفيسور الدكتورة سنان حدو، المنحدرة من منطقة عبدة بإقليم آسفي، باعتبارها نموذجًا لمسار علمي ومهني متميز حيث انتقلت من فضاء البادية إلى المؤسسات التعليمية العليا، ثم إلى مجال الطب والتخصص الأكاديمي، وصولًا إلى المؤسسة العسكرية المغربية،وتكتسي سيرتها أهمية خاصة من كونها ارتبطت، بالجيل الأول من الطبيبات اللواتي ولجن المؤسسة العسكرية المغربية، كما تُنسب إليها صفة أول طبيبة عسكرية من مدينة آسفي تحمل رتبة كولونيل ماجور(عميد) متوجة من الملك الحسن الثاني رحمه الله، وقد شكل تكريمها مؤخرا بمدينة آسفي فرصة للتعرف على هذه الشخصية وبالتالي الكتابة عنها وتقديمها للقراء .

النشأة في بادية عبدة وبدايات التكوين

   ولدت الدكتورة سنان حدو في 17 شتنبر 1944 بدوار العيايطة ، التابع لجماعة جمعة سحيم بإقليم آسفي. وتنتمي بذلك إلى المجال الجغرافي والتاريخي لعبدة، وهي منطقة كان الوسط القروي فيها يشكل الإطار الأساسي للحياة الاجتماعية والتعليمية خلال مرحلة طفولتها، وفي ظروف ما انتقلت إلى مدينة آسفي حيث تلقت تعليمها الأولي بمدرسة بياضة للبنات، قبل أن تنتقل إلى الرباط في سن الرابعة عشرة، في خطوة شكلت منعطفًا أساسيًا في مسارها التعليمي. وهناك واصلت دراستها الثانوية بكل من ثانوية لالة نزهة وثانوية لالة عائشة، إلى أن حصلت على شهادة البكالوريا، وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة في قراءة مسارها، إذ إن الانتقال من المجال القروي بعبدة إلى مدينة آسفي ثم إلى العاصمة الرباط لم يكن مجرد انتقال جغرافي، وإنما كان انتقالًا من محيط تعليمي محدود الإمكانات إلى فضاء أوسع أتاح لها مواصلة الدراسة والانفتاح على التعليم العالي.

الالتحاق بدراسة الطب

   بعد حصولها على شهادة البكالوريا سنة 1963،التحقت  سنان حدو بدراسة الطب. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أنها تخرجت طبيبة سنة 1970،بعد أن  استكملت تكوينها العالي بجامعة مونبلييه بفرنسا، حيث اتجهت إلى تخصصات طبية دقيقة،و حازت على دبلوم في طب النساء والتوليد وعلم الدم الحيوي (Hématologie biologie) من كلية الطب بمونبولييه،ويكشف اختيار هذه التخصصات عن مسار علمي لم يقتصر على التكوين الطبي العام، بل اتجه نحو فروع تتطلب تكوينًا سريريًا وأكاديميًا متقدمًا، وفي هذه المرحلة كان زواجها من عائلة الفاسي الفهري.

من التكوين الطبي إلى الممارسة والتخصص

   بعد استكمال مراحل من تكوينها الطبي، تولت الدكتورة سنان حدو مسؤوليات مهنية في المجال الصحي، من بينها رئاسة مصلحة طب النساء والتوليد وتأمين الاستشارات الطبية ،وتفيد المعطيات المتوفرة بأنها عادت إلى المغرب  والتحقت بصفوف الجيش المغربي برتبة نقيب 1975(Capitane) حيث عملت بالمستشفى العسكري محمد الخامس، وبـمصحة الليمون(دار الولادة) بالرباط، ويمثل هذا الانتقال مرحلة أساسية في مسارها المهني، لأنه وضع تكوينها الطبي في خدمة مؤسسة صحية وعسكرية ذات طبيعة خاصة، وفتح أمامها المجال للارتقاء داخل منظومة الطب العسكري.

سنان حدو والطب العسكري المغربي

    يرتبط اسم الدكتورة سنان حدو، في المعطيات المتداولة حول سيرتها، بمرحلة مبكرة من ولوج المرأة المغربية إلى الطب العسكري. كما تنسب إليها صفة أول امرأة ترقى إلى رتبة ملازم (Lieutenant) في الجيش المغربي، وقد حصلت سنة 1982 على شهادة التبريز، وهو إنجاز أكاديمي يعكس بلوغها مستوى متقدمًا في التكوين الطبي والتخصص الجامعي ،ومن ثم فإن مسارها يجمع بين ثلاثة أبعاد مترابطة: الطب، والتكوين الأكاديمي، والطب العسكري. وهي أبعاد تجعل سيرتها جديرة بالدراسة ضمن تاريخ تطور التعليم الطبي المغربي وتاريخ حضور المرأة في المهن العلمية والمؤسسات النظامية.

من بادية عبدة إلى المؤسسات العلمية

    تكمن القيمة الرمزية لسيرة سنان حدو في المسافة التي قطعتها بين نقطة البداية ونقطة الوصول. فقد بدأت مسارها من دوار العيايطة بجماعة جمعة سحيم في المجال القروي لعبدة، ثم انتقلت إلى الرباط لمتابعة تعليمها الثانوي، قبل أن تنفتح على التعليم الطبي العالي والتخصص الأكاديمي، ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى مسيرتها باعتبارها مثالًا على التحول الذي أحدثه التعليم في مسارات بعض النساء المغربيات خلال النصف الثاني من القرن العشرين،فالمسار لم يكن انتقالًا من مكان إلى آخر فحسب، بل كان انتقالًا بين مستويات مختلفة من المعرفة والتكوين: من المدرسة القروية، إلى التعليم الابتدائي باسفي، إلى التعليم الثانوي بالعاصمة الرباط، ثم إلى كلية الطب، فالتخصص الطبي، ثم التكوين الأكاديمي المتقدم، وأخيرًا ممارسة الطب داخل المؤسسة العسكرية، وتشير المعطيات المتعلقة بالمرحلة اللاحقة من حياتها إلى أنها اتجهت، ابتداء من سنة 2016 بعد إغلاق عيادتها الخاصة، إلى مجالات واهتمامات أخرى ذات صلة بالصحة والممارسات العلاجية، من بينها الرسم والتنويم المغناطيسي والعلاج بالطاقة(pranic Healing) وغيرها،ويمثل هذا التحول فصلًا جديدًا في مسارها، ينتقل فيه الاهتمام من الممارسة الطبية الأكاديمية والمؤسساتية إلى مجالات أخرى من التعبير والممارسة.

خاتمة

    تقدم سيرة البروفيسور الدكتورة سنان حدو نموذجًا لامرأة مغربية استطاعت أن تشق طريقها العلمي والمهني انطلاقًا من المجال القروي بعبدة، وأن تنتقل عبر مراحل متتالية من التعليم والتكوين إلى عالم الطب والتخصص الأكاديمي والطب العسكري.

وتكمن أهمية هذه السيرة، من منظور تاريخي، في كونها تتقاطع مع تحولات أوسع عرفها المغرب خلال النصف الثاني من القرن العشرين، وخاصة توسع التعليم الحديث، وازدياد حضور المرأة في التعليم العالي، وولوجها المهن العلمية والتخصصات الطبية، ثم انخراطها في مؤسسات كانت في السابق ذات حضور نسائي محدود،وبذلك لا تصبح الدكتورة سنان حدو مجرد اسم في سجل الطبيبات المغربيات، وإنما شخصية يمكن من خلال مسارها قراءة جانب من تاريخ التعليم الطبي، وتكوين النخب العلمية النسائية، والطب العسكري بالمغرب، والتحول الاجتماعي الذي عرفته منطقة عبدة وآسفي خلال النصف الثاني من القرن العشرين.

 

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في أبرز المواضيع
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

جلالة الملك يترأس مراسيم تعيين أعضاء الحكومة الجديدة

 ترأس صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، اليوم الجمعة 4 جمادى الأولى 1448 هـ الموا…