آسفي… المدينة التي صانت ركنًا من أركان الدين

89

بقلم حسن لمداسني

ليست المدن سواء.

فهناك مدنٌ يخلدها مؤسسها، وأخرى يرفع ذكرها نصرٌ صنعته، وثالثة يخلدها عالمٌ بزغ فيها، أو فكرةٌ غيّرت مجرى التاريخ. أما أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مدينة، فليس أن تكون فقيرة، ولا صغيرة، ولا مهمشة، وإنما أن تفقد هويتها، وأن تنسى كيف تقدم نفسها للعالم.
واليوم، يعرف كثير من الناس آسفي بمدينة البحر، أو بمدينة الفوسفاط، أو بمدينة الخزف. وكل ذلك صحيح، لكنه ليس الحقيقة كلها. فهويات المدن لا تُختزل فيما تنتجه، ولا فيما تختزنه أرضها من ثروات، وإنما فيما تهديه إلى أمتها والإنسانية من رسالة.
وآسفي من المدن التي وضعت بصمتها في سجل الحضارة الإسلامية، لا لأنها كانت عاصمة سلطان، ولا لأنها قادت الجيوش إلى الفتوحات، بل لأن اسمها ارتبط بواحدة من أجلّ القضايا وأشرفها: المساهمة في صيانة ركن من أركان الإسلام، يوم أصبح أداؤه مهددًا في أقصى الغرب الإسلامي.
لكن هذه المكانة لم تولد في زمن الرخاء، وإنما ولدت في واحدة من أحلك لحظات التاريخ الإسلامي. ففي القرن السادس الهجري، كان العالم الإسلامي يعيش أزمة تكاد تطبق عليه من أطرافه.

في المشرق، كانت الحملات الصليبية قد استولت على القدس، واحتلت مدنًا وثغورًا، وقطعت أوصال البلاد الإسلامية، حتى غدا السفر بين أقاليمها محفوفًا بالخوف والمخاطر.وفي الأندلس، كانت الممالك المسيحية تستعيد مدينة بعد أخرى، بينما أنهكت الانقسامات السياسية المسلمين، وتحولت المعركة من معركة توسع إلى معركة بقاء، وأصبح الجهاد دفاعًا عن آخر معاقل الإسلام هناك.

أما الغرب الإسلامي، فقد وجد نفسه معزولًا عن المشرق بطريق طويل يقطع الصحارى والبحار، تعترضه الفتن، ويتربص به قطاع الطرق، وتتنازعه السلطات، ويثقل كاهل سالكيه ما كان يفرض في بعض مراحله من مكوس، حتى غدا الحاج يخرج من بلده ولا يدري: أسيبلغ بيت الله الحرام، أم يبتلعه الطريق قبل بلوغه؟
وأمام هذا الواقع، لم يكن كبار فقهاء المالكية يتحدثون عن فرضيات نظرية، وإنما كانوا يواجهون واقعًا فرض نفسه.

فأفتى بعض كبار فقهاء المالكية، في تلك الظروف، بعدم وجوب الحج عند فقد أمن الطريق، ونُقل عن الإمام أبي الوليد ابن رشد الجد فتوى بسقوطه عن أهل الأندلس، بينما اشتد موقف الإمام أبي بكر الطرطوشي في حق أهل المغرب، في سياق واقع أصبحت فيه الطريق نفسها عائقًا أمام أداء الفريضة.
ولم تكن تلك الفتاوى تقليلًا من شأن الحج، وإنما كانت تعظيمًا للشريعة التي لا تكلف الناس بما لا يطيقون.

غير أن الخطر الحقيقي لم يكن في الفتوى نفسها.

بل في ما يمكن أن يترتب عليها.

فإذا انقطع ركب الحج عامًا بعد عام، فإن الأمة لا تفقد رحلة إلى مكة فحسب، بل يوشك أن يألف المسلمون غياب شعيرة هي أحد أركان دينهم، وأن يصبح الاستثناء واقعًا دائمًا، وتتحول الضرورة إلى عادة.

وهنا… تدخل آسفي إلى التاريخ.
فقد علمتنا الأمم أن الأزمات الكبرى لا يصنع التحول فيها دائمًا الملوك والجيوش، وإنما قد يصنعه رجل يمتلك رؤية أبعد من عصره.

وكان ذلك الرجل: سيدي أبو محمد صالح.

لم يكن سلطانًا، ولا قائدًا عسكريًا، ولا صاحب نفوذ سياسي، بل كان رجلًا أدرك أن المشكلة ليست في الفتوى، وإنما في السبب الذي أوجبها.

فإذا كان انعدام أمن الطريق هو الذي حال بين المسلمين وبين بيت الله الحرام، فإن الواجب ليس منازعة العلماء في اجتهادهم، وإنما إزالة العائق الذي منع الناس من أداء الفريضة.
كانت فكرة بسيطة، لكنها غيرت مجرى التاريخ.

فأسس سيدي أبو محمد صالح رباطه بآسفي، ثم أخذ المشروع يتوسع حتى تشكلت شبكة من الرباطات على امتداد طريق الحجاج، تستقبل القوافل، وتؤوي المسافرين، وتوفر لهم ما يحتاجون إليه، وتعمل على تأمين الطريق، وتبعث في النفوس الطمأنينة بعد أن استولى عليها الخوف.

ولم يكن ذلك مشروع دولة، ولا قرار سلطان، بل كان مشروع مجتمع آمن بفكرته، فحملها على عاتقه.

فتحت آسفي أبوابها للوافدين من كل فج عميق، واستقبلت الحجاج، وانخرط أهلها في خدمة المشروع، وشارك رجالها في مرافقة الركب في مستهل رحلته، حتى تحولت خدمة الحجيج إلى عمل جماعي، لا إلى مبادرة فردية عابرة.

وكانت قبيلة بني ماجر، قبيلة الشيخ، جزءًا من هذا النسيج الاجتماعي الذي حمل أعباء المشروع وساهم في استمراره، حتى تحول عمل رجل إلى رسالة مدينة.
ولم يكن القادم إلى آسفي يشعر أنه نزل بمدينة غريبة، بل كان يجد فيها الأمن بعد الخوف، والرفقة بعد الوحشة، والكرم قبل السؤال.

وفي هذا المشهد، يستحضر الذهن شيئًا من معنى الأنصار؛ لا تشبيهًا في المنزلة، وإنما في الفعل؛ إذ آووا، ونصروا، وحملوا مع صاحب الرسالة عبء مشروع تجاوز حدود مدينتهم، ليخدم أمة بأسرها.

وهكذا، تحولت آسفي إلى قبلة للقوافل القادمة من كل فج عميق. كانت الوفود تتجمع عند رباط الشيخ، ومنها ينطلق الركب الصالحي في مشهد مهيب، ترتفع فيه أصوات التلبية، وتمتزج دموع الفراق برجاء الوصول، بينما يشق الركب الصحارى والقفار، رابطًا الغرب الإسلامي بالمشرق، ومعيدًا للحج حضوره بعد أن أوشك أن يغيب.
كانت مكة مقصد الركب، لكن آسفي كانت محطته الأولى؛ مدينة تتوافد إليها القوافل، ويجتمع فيها الحجاج، ومنها يبدأ الطريق إلى بيت الله الحرام.

حتى ليخيل للمرء أن آسفي، في تلك المرحلة، كانت «مكة الصغرى» لحجاج الغرب الإسلامي.

لقد منح سيدي أبو محمد صالح آسفي معنى، وجعلها صاحبة رسالة؛ وهل هناك شرف أجل وأقدس من أن يقترن اسم مدينة بالمساهمة في صيانة ركن من أركان الإسلام؟

ذلك شرف لا تمنحه الجغرافيا، ولا تصنعه الثروة، بل تصنعه الفكرة، ويخلده العمل.

قال الله تعالى:
﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾.

ولعل التاريخ قد حفظ لآسفي كنزًا لم نحسن بعد استخراجه.

ليس الكنز أثرًا من حجر، ولا ذكرى من الماضي، وإنما مشروع حضاري أعاد وصل أقصى الغرب الإسلامي ببيت الله الحرام، وأثبت أن رجلًا واحدًا، حين يمتلك الفكرة، تستطيع مدينة بأكملها أن تحمل رسالته.

فالكنز موجود… والسؤال ليس هل تملكه آسفي، وإنما: هل بلغت من الرشد ما يجعلها تستخرجه؟

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

الانتخابات التشريعية 2026:الشروع في تسليم الإشعارات الموجهة إلى الناخبات والناخبين

بمناسبة الانتخابات التشريعية لانتخاب أعضاء مجلس النواب المقرر إجراؤها يوم الأربعاء 23 شتنب…