قصة قصيرة..فضفضة

106

بقلم محمد زعير

الأمطار تنهمر الآن كما لم تنهمر من قبل، وخيوطها المنسدلة مشدودة  إلى سماء مكفهرة تراقب الأرض في ظلام برائحة البحر، ها هي الآن تَسَّاقَطُ تباعا، كانت تقرع  نافذة الزنزانة الصغيرة  وتصفع في آن أجسادا مكومة تبحث عن دفء بعيدِ المنال، لا تكاد تلك الأجساد تتحرك إلا لتقضي حاجتها في حفرة هناك، تنبعث منها رائحة لا تختلف كثيرا عن رائحة أجسادهم، أجساد خاصمت الماء منذ زمن.

لم تكن الزنزانة تأذن لأشعة الشمس بالتسلل عبر تلك النافذة إلا لدقائق معدودات بعد أن يكون وَهَجُهَا قد ذَبُلَ. ها هو الرعد الآن يشق السماء شقا، ويرسل وميضه ليبعث بصيصا من ضوء إلى تلك الزنزانة، لقد أتت قعقعته على ما تبقى من زجاج، واقتحمت رياح  البحر الزنزانة من نافذتها الوحيدة، وباتت تجلد تلك الأجساد دون رحمة من فراش أو دثار .

السادسة مساء، اشتد عواء الريح، و تناهى إلى  الأجساد المكومة صوت بيادة  الحارس تدك الإسفلت الرطب بفعل البرودة، فغَشِيَ الرعبُ أركان الدهليز كله، كان صوت رجعها يَصُخُّ الآذان، فتنبعث من تلك الأجساد  أشباهُ أرواحٍ متأهبةٍ،  تترقب ماذا سيُفعل بها.

شقّ صريرُ باب الزنزانة الحديدي سكونَ الدهليز، وداهمَ معاقلَ الرجاء في نفوس أنهكها الصقيعُ والجوعُ، وتراءت صورة الحارس بمنكبين عريضين يملآن تحت رأسه، وبوجهِ كساهُ الغضبُ حلةً من القسوة كالحةً ، وصاح في حَنَقٍ  :

  • العشاء أيها الأوغاد!!

اندفع النزلاء نحو العربة أمام نظرات الحارس، ونفوسهم تهفو إلى حساء ساخن وكسرة خبز يابس يبعثان الدفء في أجسادهم  المهيضة . هم يعرفون الحساء، يعرفونه كما يعرفون السوط في يد الحارس لا تتوانى عن جلد من يتجاسر فينظر إلى وجهه .  كانت خيبتهم في حساء لا يغني من جوع و لا من دفء شيئا أثقلَ من الجوع نفسه، وأشدَّ وطأةً على نفوسهم من الجَلد والصّقيعِ .

قال روبيرت  وهو يرى شميدت  لا يزال يغالب الوقوف من أثر الجلد :

  • تقدم يا شميدت ، أسرع، لقد جاءت نوبتك، هيا ، ارحمنا .

تناهى اسم شميدت إلى الحارس، فصوب إليه نظرة عابرة، وأخرج من جيب سترته سيجارة. أسقطَ القداحة من يده، فانحنى شميدت ليلتقطها، فإذا ببيادة الحارس تضغط على يديه بقوة، وإذا بشميدت يرفع رأسه في خنوع واستجداء، وإذا بالحارس يقول في عبوس كالصقيع :

  • أنت شميدت إذًا، أنت هو، اللعنة، شميدت … ستتعشى عندنا، أَ يسرك هذا ؟

وسُقِطَ  في يَدَي شميدت، وشطح به جزعه بعيدا  بعيدا. وتراءت له صورته وهو عارٍ تماما أمام لجنة التحقيق .

  • ما اسمك ؟
  • شميدت ألبير
  • شميدت ألبير، أنت متهم بجريمة العصيان المدني ، فما قولك؟

طأطأ شميدت رأسه، وأغضى به حياؤه ، فاجتهد أن يخفي ما بين فخذيه، لكن صوت القاضي العسكري كان أسرع إلى ثنيه عن ذلك .

لم يقل شميدت شيئا، لم يقل إنه خرج من بيته في ذلك الوقت المتأخر من الليل  ليشتري لرضيعه اللبن من صيدلية المدينة، لم يقل ذلك أبدا، ولا أن حظه النَّكِدَ قاده إلى زقاق ليختصر الطريق، فإذا به في مخفر الشرطة لا يدري من أمره شيئا، وإذا هو يُوَقِّعُ على مستند إدانةٍ لدى الضابطة القضائية لم يقرأ منه حرفاً.

وتراءت له صورة جلاده كما لم يرها من قبل، وأيقن أن الموت منه على ضربة سوط. وأخرجه من هذا الخضم المتلاطم صوت السجان و هو يصيح به :

  • هيا ، ادفع العربة و اتبعني هيا…

تبادل النزلاء نظرات تطفح حسرةً، وتراءت لكل واحد منهم صورته وهو عائد بوجه تغيرت ملامحه بعد أن قضى ليلة عشاء في ضيافة حرس السجن، كانت ليلة لا كالليالي، ترخي سدولها بأنواع الكآبة على الجميع. الكل ينتظر نوبته في أن يبتلى بما ابتلي به رفاقه، فهل سيعود شميدت كما عاد كل منهم، يجر  نَفْسًا سكنها الذُّلُّ وَوَأَدَ فيها بذورَ الأمل؟! .

انتصف الليل، وعاد شميدت على غير ما كان متوقعا، عاد تحمله نفس يملأها الاطمئنان. وأخيرا، ستشرق في جوانحه أنوارٌ تُبَدِّدُ كلَّ سحب الخوف، عاد يحمل برتقالة وخبزا و لحما مما تبقى في صحنه . عاد يحمل في سويدائه عالما جديدا، وغدًا ستشرق شمسه بعد ليلٍ بَهيمٍ، ليشم عبق الحرية في صدر مارطا الحاني، وفي أنفاس رضيعه .

دخل شميدت الزنزانة وأعين النزلاء تطفح فضولا،  برتقالة  و خبز  و لحم، ووجهٌ ينطق بِأملٍ لا تخطئه العين، أهذا معقول؟! . أين من شميدت أنف متورم مختف في بقايا وجه نالت منه سياط الحرس لذتها ؟!

وذُهِلَ النزلاء، وانزوى شميدت في ركن يغالب نظرات الشك والريبة من وجوه لم تصدق ما ترى. وعاد شميدت مرة و مرة كل ما دُعِيَ إلى العشاء على غير ما كان يعود عليه رفاقه، وفي كل مرة ترتفع أسهم الشك في نفوس ملأها الفضول في أن تعرف سر هذا التحول العجيب، وهذه الامتيازات التي يحظى بها  من دونهم . أجاسوس هو؟! ، أم هو فن آخر من فنون التعذيب تفتقت عنه سادية الحرس؟! تساءل روبيرت. ما سر العشاء اللعين ذي الوجهين ، وجه لشميدت و وجه آخر لبقية النزلاء؟

وتنفس الصبح، وأشرقت شمس السجن على ساحة فسيحة برائحة البحر، وفي كل ركن منها تسارَّ النزلاء بما كان، وسرى الخبر كالنار في الهشيم، ولم يعد واحد من الساخطين إلا وباتت حكاية شميدت تموج في ذهنه موجا، وتداعَوْا جميعا إلى الحذر من هذا الجاسوس الذي ينقل ما يتهامسون به إلى جلاديهم . الآن بات شميدت في سجن آخر، سجنٍ بدون أبواب حديدية ولا أقفال ، وحُشِرَ لنفسه أشباحٌ من وساوس فهي تنهشه، حتى إذا كان في أيّ ركن من أركان هذا السجن، تَرَبَّصَ به النزلاء لينالوا منه في جنح الظلام، ولولا أن يفتك بهم الحراس لكان شميدت قد غُيِّب الثرى .

انقطع الاتصال بين النزلاء وذويهم إلا من رسائل يسمح لهم بتحريرها مرة في كل شهرين. وكانت فرصةً يتبادل فيها النزلاء وذووهم ما يمور داخل السجن و خارجه من أخبار، أخبار لا تغني من شيء، لكنها تملأ فراغَ صمتٍ قاتلٍ في هذا الخضم الكريه.

طوى شميدت الرسالة في عجلة ودسّها في جيب بدلته . كانت رسائله إلى مارطا وحدها تسلوه عمّا يكابده . وفي ليلة دعي فيها إلى العشاء ، سقطت منه ـ وتلقفها  فضولُ روبيرت    :

” عزيزتي مارطا، الجو قاس جدا، لكن حراس السجن هنا كلهم طيبون جدا، باولو، كريستيان، والجميل فريدريك، قلوب تفيض بالرحمة، ويعبق  منها أريج الإنسانية في أبهى صورها. وحدها فقط قسوة النزلاء تجلدني، لقد بت منبوذا بينهم كالكلب الأجرب، وباتت نظراتهم كابوسا يؤرق نومي، حاولت أن أفهم، لكن فهمي باء بفشل ذريع . إن عزائي الوحيد من كيدهم هو ما يصلني منك من رسائل، وما أحظى به من معاملة رائعة كروعة  باولو و  كريستيان و الجميل فريدريك. فلهم مني كل المودة و التقدير، ومَنْ يدري فلعلي أعانق الحرية ، وإذا كان ثمة  من فضل فهو بدون ريب  يعود  إليهم . اشتقت إلى حضنك .

حبيبك شميدت ”

وعاد شميدت يحمل برتقالة ولحما و خبزا، عاد ليجد رسالته إلى مارطا عارية بين يدي النزلاء، يتداولونها كما يتداول السكارى كأس راح بينهم، وأيقنوا أن شميدت كان ضحية سوء ظن منهم، وأنهم ملزمون بالاعتذار منه على ما كان منهم، وفي ليلة سكن فيها الجميع، وشوش روبرت قائلا  :

  • ما أَعِيبُ عليك صديقي شميدت هو مَدْحُكَ لهؤلاء الوحوش، لقد جعلتَ منهم ملائكةً، أليس ذلك مخالفا لواقع ما يعيشه السجناء في هذا المعتقل؟! أكان عليك أن تظهرهم في غير صورتهم البغيضة يا شميدت ؟!

أحنى شميدت رأسه وحار بين أن يلوذ بصمت ربما يعفيه من أي تبعاتٍ ، أو أن  يفضفض ليدق آخر مسمار في نعش الشك و الريبة من زملائه، ولم تدم حيرته طويلا، إذ سرعان ما اختار أن يلقي إلى الجميع بسلاح ظل أسيرًا في صدره إلى أن فَكَّتْ نظراتُ روبيرت الملحة عقاله، فقال في سكينة و هو يحصي حروفه :

  • عزيزي روبرت، هل جربت أن تعاند الموج العاتي؟ إننا في كثير من الأحيان، نفاقم المشاكل بمعاندتها مثلما يعاند أحدنا موجة ساخطة ترى راحتها في إغراق من يقاومها. إن من الكياسة أن تُحَوِّلَ اندفاع الموجةِ الجارف إلى طاقة تخدمك، فماذا عليك لو استعملت لوحة تزلج، و امتطيت الموجة ، وجعلت قوة اندفاعها إلى مصلحتك . أفهمت عني  روبرت ؟  أفهمت ؟

وعاد شميدت بعد شهرين، لم يحمل هذه المرة برتقالة، كَلّا ولا خبزا و لحما ، ولكنه عاد يحمل و جها تغيرت ملامحه، وسقط منكسرا في ذهول من الجميع.

وحينما تنفّسَ الصبحُ، ولاحت تباشير الشمس في الأفق مبشرة بيوم جديد، استيقظ الجميع على صافرة الإفطار إلا شميدت، استيقظت روحه في عالم الأموات إلى الأبد وهي تتلو رسالة روبرت :

” كلارا ، عزيزتي ، لقد اكتشفنا أخيرا سر المعاملة الحسنة التي يحظى بها شميدت .  باولو ، و كريستيان، وفريدريك، ليسوا وحوشا كما كنا نظن، ولكنهم …”

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

ناشرو الصحف يطالبون بوقف “سياسة الإقصاء” ومراجعة قرارات الدعم العمومي

صعّدت الفيدرالية المغربية لناشري الصحف من لهجتها تجاه وزارة التواصل، متهمة إياها بتدبير مل…