عبد الله طهر
♦︎ جذور النشأة: من زرقة البحر تولد الحكاية
وُلد سعيد عاهد بمدينة الجديدة، تلك العروس المتوجة بزرقة الأطلسي ورمال دكالة الذهبية. هناك، بين هدير الموج وهمس الرياح، تشكّل وعيه الأول، وتفتحت قريحته على إيقاع المد والجزر. تابع دراسته بالمدرسة الوطنية للإدارة العمومية بالرباط، شعبة العلاقات الدولية، غير أنه آثر درب الصحافة سنة 1990، تاركًا وراءه استقرار الوظيفة العمومية، مؤمنًا بأن القلم لا يكون حيًا إلا إذا شقي في سبيل الحقيقة.
♦︎ ملامح الشخصية: حكمة الصمت ونبل المعدن
عُرف بين أقرانه بـ”الفيلسوف الصامت”، لقب يلخص عمق شخصيته وهدوءه الموشّى بالحكمة. كان نبيلاً، وفيًّا، متواضعًا إلى حد الزهد، لا يتصنع ولا يتباهى، بل يترك أفعاله تنطق عنه. عاش كما أراد، لا كما فُرض عليه، ورسم مساره بإخلاص نادر.
تميّز بصفاء السريرة ونكران الذات، فلم تغره المناصب، ولم تلوثه الحسابات الضيقة، وظل وفيًا لقيمه، كأن يده لم تصافح إلا الحقيقة. كان هادئًا في حديثه، دقيقًا في كلماته، يزن عباراته بميزان من ذهب، فيأسر السامعين دون ضجيج.
♦︎ في دائرة الأصدقاء: ذاكرة تمشي على قدمين
كان صديقًا وفيًا، محبًا للناس، حاضرًا في جلساتهم بعلمه وثقافته الواسعة. يروي لهم خبايا التاريخ المغربي، ويمنحهم من ذاكرته ما لا يُدوَّن في الكتب. كانت مجالسه فضاءً للمعرفة والمتعة، تجمع بين الأدب والفكر والحياة.
نسج علاقات قائمة على الاحترام والمودة، وكان قريبًا من كبار الأدباء المغاربة، مشاركًا في بناء المشهد الثقافي دون ادعاء. قارئًا نهمًا، ينهل من الأدب العالمي، ويكتب بتكثيف وعمق، خاصة في الشعر، حيث كان يرى أن القصيدة تولد من رحم الصمت.
♦︎ المسار المهني: منبر الكلمة ومسؤولية المعنى
بدأ مساره متعاونًا مع جريدة “الاتحاد الاشتراكي”، قبل أن يلتحق بـ”ليبيراسيون” سنة 1990، حيث تولى رئاسة تحريرها، وأسهم في تحويلها إلى يومية، وأشرف على ملحقها الثقافي.
وفي سنة 1998، عاد إلى “الاتحاد الاشتراكي”، فتدرج من رئاسة القسم الاجتماعي إلى سكرتارية التحرير، ثم رئاسة القسم الثقافي. كما ساهم في تحرير عدة مجلات، منها “آفاق” و”الثقافة الأخرى”، مؤسسًا لمسار مهني بصم الساحة الإعلامية.
وفي إشرافه على القسم الثقافي، كان مربّيًا للأجيال، يزرع بذور الإبداع بصمت، ويؤمن بأن الكلمة مسؤولية قبل أن تكون مهنة.
♦︎ الإنتاج والإبداع: قلم متعدد الوجوه
كتب سعيد عاهد بالعربية والفرنسية بسلاسة لافتة، وأصدر بالعربية أعمالًا من بينها: الجريمة والعقاب في مغرب القرن السادس عشر، ذاكرة متشظية، الفتان، وقصة حب دكالية.
أما بالفرنسية، فقد أصدر دواوين شعرية مثل:
«Un semblant de déraison»
«Rien… ou presque»
«Résidus d’un autoportrait»
وديوان «Reniements / جحود» (2025).
وفي مجال الترجمة، جسّر بين الثقافات، ونقل أعمالًا مهمة إلى العربية، من بينها: طعم المربيات، خياطو السلطان، والتبوريدة، وغيرها من النصوص التي أعادت إحياء ذاكرة مغربية منسية.
♦︎ الرحيل: الغياب الذي لا يطفئ الأثر
في 08 يناير 2026، رحل سعيد عاهد عن عمر ناهز السبعين عامًا، بعد مسار حافل بالعطاء والنزاهة. شكّل رحيله صدمة في الأوساط الإعلامية والثقافية، حيث نُعي بكلمات مؤثرة من زملائه ومحبيه، الذين أجمعوا على خسارة قامة إنسانية ومهنية نادرة.
لقد كان رجلًا لا يدّعي امتلاك المعرفة، بل يتقاسمها، ولا يسعى إلى الأضواء، بل يضيء بها دروب الآخرين. برحيله، يفقد المغرب صوتًا هادئًا، لكن أثره سيظل ممتدًا في الذاكرة والكتابة.
رحم الله سعيد عاهد، وأسكنه فسيح جناته.