الصحفيون المغاربة .. وعقدة الذكاء الاصطناعي

36

محفوظ بن صالح | إعلامي

لا يزال النقاش حول الذكاء الاصطناعي في غرف التحرير يدور في كثير من الأحيان حول سؤال واحد: هل سيعوض الذكاء الاصطناعي الصحفي؟ والحقيقة أن هذا السؤال يكشف أكثر عن الصدمة التي أحدثها الذكاء الاصطناعي وارتباكا في فهم طبيعة التحول الجاري في صناعة المضامين الصحفية.
فالمشكلة الحقيقية ليست في الذكاء الاصطناعي، بل في طريقة تعاملنا معه. فبدل الانشغال بالخوف من هذه التكنولوجيا، يبدو أن الوقت قد حان للانتقال إلى نقاش أكثر جدية يتعلق بميثاق الجودة المهني والأخلاقي للمضامين المنتجة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، لأن التحول الذي تعيشه الصحافة اليوم ليس تقنياً فقط، بل يمس جوهر الأجناس الصحفية في صيغتها التقليدية.
لقد تعودت الصحافة الكلاسيكية على تقسيم واضح للأجناس الصحفية: خبر، تحقيق، روبورتاج، مقال رأي، تحليل. غير أن هذا التقسيم بدأ يهتز في البيئة الرقمية الجديدة، حيث ظهر فاعلون جدد في المجال الإعلامي، وفي مقدمتهم ما يسمى بـ“المؤثرين”. هؤلاء سبقوا الصحافة التقليدية إلى ابتكار صيغ جديدة من المحتوى الإعلامي، لكنها في كثير من الأحيان تعاني من عيب قاتل يتمثل في غياب التمييز بين الخبر والتعليق، وبين المعلومة والرأي. وهو خرق واضح لأحد أهم مبادئ أخلاقيات المهنة، الذي يقوم أساساً على الفصل بين الوقائع والتفسيرات، من باب مبدأ احترام ذكاء المتلقي.
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن للصحفي المهني أن يوظف الذكاء الاصطناعي دون أن يفقد جوهر عمله الصحفي؟ والذي أرى الجواب عنه في مفهوم “العدة الذكية للصحفي”. وهي حزمة من البرامج والتطبيقات الرقمية التي تساعد الصحفي على معالجة كم هائل من البيانات، وتحليل المعطيات، واستخراج المعلومات ذات القيمة الخبرية العالية.
فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الصحفي اليوم على تحليل آلاف الوثائق في دقائق، وتتبع الاتجاهات في البيانات، واكتشاف العلاقات الخفية بين الوقائع. وهذا يعني أن الصحفي الذي يحسن استخدام هذه الأدوات يمكن أن ينتج مضامين أكثر عمقاً وتأثيراً، مع توفير كبير في الوقت والجهد والكلفة.
لكن في المقابل، فإن اختزال الذكاء الاصطناعي في مجرد إعادة صياغة خبر من فقرات معدودة أو ما يمكن تسميته بـ“الروسيكلاج الخبري”، لا يمثل سوى المستوى الصفر في استعمال هذه التكنولوجيا. لأن الذكاء الاصطناعي لم يُخلق ليكون مجرد آلة لإعادة كتابة الأخبار، بل أداة لتحليل المعلومات وتوسيع آفاق البحث والتحقيق الصحفي.
ومن المفارقات التي ينبغي التذكير بها أن الذكاء الاصطناعي نفسه هو في الأصل نتاج الذكاء البشري. فهذه الأنظمة لا يمكنها أن تنتج شيئاً من تلقاء نفسها، بل تحتاج دائماً إلى أوامر وأسئلة بشرية. ولذلك فإن الإبداع سيظل دائماً للإنسان، بينما تبقى الآلة مجرد وسيلة تختصر الجهد وتقترح بعض المسارات الممكنة للمضمون.
بناء على ما سبق أرى أنه لا داعي لكل هذا القلق الذي يحيط بتوظيف الذكاء الاصطناعي في انتاج المضامين الصحفية، فالاستفادة الحقيقية من هذه التكنولوجيا لا تتحقق إلا عندما تتوفر لدى الصحفي الكفاءة المهنية والذكاء التحريري. أما المتطفلون على المهنة، فغالباً ما سيحصدون ما يمكن تسميته بـ“الهلوسة الرقمية”، وهي نتيجة طبيعية لطرح أسئلة سطحية أو غير دقيقة على هذه الأنظمة.
إن مستقبل الصحافة، في الواقع، لا يبدو قاتماً كما يتصور البعض، بل قد يكون أكثر غنى وإبداعاً. غير أن هذا المستقبل لن يكون متاحاً للجميع بنفس الدرجة. فكما حدث في كل التحولات التكنولوجية السابقة، سيستفيد منه أولئك الذين يمتلكون الجرأة على التعلم والتجريب، بينما سيبقى المترددون أسرى الخوف من المجهول.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في أبرز المواضيع
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

قلق حقوقي يرافق انطلاق ترميم المدينة العتيقة بآسفي بعد الفيضان

في سياق انطلاق أشغال ترميم المدينة العتيقة بمدينة آسفي، عقب الأضرار التي خلفتها كارثة الفي…