الفكر الإسلامي بين الجذور وتجديد البذور.
قراءة في مسار عبد السلام ياسين وتحولات الجماعة.
الذاكرة الفكرية المغربية ……مناعة للدولة.
بقلم عبد الله طهر
تمتلك الدولة المغربية عبر تاريخها مناعة طبيعية ومكتسبة شكلت لديها ذاكرة سياسية وفكرية تستشعر طبيعة كل توجه إيديولوجي، وما يختزنه خلف الأقنعة من مرجعيات حقيقية. وهذا الموضوع يستدعي إحاطة شاملة بمن عاصروا هذه التيارات وكانوا قريبين من ممارساتها، لفهم نظرتها إلى من هم خارج دائرة انتمائها ، و كذلك التأطير التاريخي لجذور الفرق الكلامية و المذاهب الدينية منذ النشأة ، و كذلك الدوافع و الأسباب الذاتية المحركة لتشعبات لم تلم الشمل بقدر ما شتته .
أولاً: الجذور الفكرية للمغرب… بين الوحدة والتنوع المذهبي.
_ الثوابت الدينية للمغرب.
تميز المغرب بثوابت دينية راسخة تجمع بين الفقه المالكي، العقيدة الأشعرية و عقيدة الامام جنيد.
هذه الثوابت شكلت أساس الوحدة الوطنية والأمن الروحي، وحمت البلاد من التشرذم المذهبي.
_ نشأة الفرق الكلامية وأسباب التفرق.
انبثق الفكر الإسلامي من مصدرين رئيسيين، لكن العوامل السياسية أسست لمصالح جعلت من هم أقرب إلى المصدرين “قبائل” أو فرقاً سميت كلامية، ومن اهمها و أبرز مبادئها :
المعتزلة: تقديم العقل.
الأشاعرة: التوسط بين النقل والعقل.
الخوارج: التشدد في مرتكب الكبيرة.
الشيعة: التركيز على الإمامة.
المرجئة والجبرية والمشبهة.
وهذا التفرق خالف النصوص القرآنية التي تأمر بالاعتصام بحبل الله والنهي عن التفرق حسب قوله تعالى :
“وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ”( سورة آل عمران الآية 103)
_مراحل تطور الفكر الكلامي.
مرحلة التدوين (بعد القرن الرابع الهجري): تراجع الصراع المباشر وانتقلت الفرق إلى تدوين أنظمتها الكلامية.
مرحلة التمازج مع الفلسفة (القرن الخامس الهجري): برز الغزالي وفخر الدين الرازي في دمج المنطق اليوناني بعلم الكلام.
مرحلة الجمود (بعد القرن الثامن الهجري): ساد التقليد والاقتصار على الشروح والتعليقات.
مرحلة التجديد (العصر الحديث): مواجهة الاستعمار ومحاولة الجمع بين مقاصد الإسلام وقضايا الإنسان المعاصر.
ثانياً: محمد المختار السوسي بالفكر المعسول…….المؤطر الأول لعبد السلام ياسين.
_ هوية المختار السوسي الفكرية.
كان محمد المختار السوسي عالمًا ومؤرخًا ومصلحًا مغربيًا، نشأ في بيئة علمية صوفية، وتبنى:
المذهب المالكي في الفقه و العقيدة
الأشعريةالروح الإصلاحية الوطنية.
كما تميز فكره بالجمع بين التراث والأصالة، والدعوة إلى الإسلام كركيزة أساسية للهوية المغربية.
_ علاقة التلميذ بالمؤطر.
تشرب عبد السلام ياسين من فكر المختار السوسي، لكنه انقلب فيما بعد على أستاذه ليخط مسارًا موازيًا، مما أدى إلى:
ضياع التوافق والتقارب بين المذاهب
تبخر الأهداف لصالح مصالح خاصة
انبثاق هواجس تاريخية قبلية قد تختزن “بعدًا انتقاميًا”.
ثالثاً: مسار عبد السلام ياسين … نحو تحولات الجماعة.
_ التكوين والبدايات.
نهل عبد السلام ياسين من غزارة العلم على يد صاحب “المعسول”، ودرس تحت سقف مدرسة ابن يوسف، وعمل في قطاع التعليم، ثم مديرًا لمدرسة المعلمين والمفتشين، وألف مجموعة من الكتب المقررة.
_المشروع الفكري: “الإسلام أو الطوفان”.
أطلق ياسين مشروعه تحت شعار “الإسلام أو الطوفان” مباشرة قبل الربع الأخير من الثمانينيات، مما دخل بالجماعة إلى خندق المواجهة، وأعلن حربًا عقائدية تجلت في:
مواجهات فكرية “يدوية” في الجامعات و تدافع ساخن مع طلبة اليسار.
_ القاموس اللغوي المشترك مع الفكر الشيعي.
أثار خطاب عبد السلام ياسين تساؤلات حول قربه من المفاهيم الشيعية، ومن أبرز المفاهيم المشتركة:
الإمامة: استخدام مفهوم القيادة الروحية والسياسية.
الولاء: التركيز على رباط الولائي بين المؤمنين.
الغيبة والحضور: الحديث عن الغيب الإلهي الواعد بالخلافة الإسلامية.
_ التمويه المذهبي.
قدم ياسين هذه المفاهيم في إطار سني باستخدام مصطلحات مثل:
“المنهاج النبوي”و “الخلافة الراشدة”
هذا المزج أثار جدلًا حول أصالة مشروعه الفكري، واعتبره البعض محاولة لتجاوز الانقسام المذهبي، بينما يراه آخرون غطاءً لتمرير أفكار شيعية تحت مظلة سنية.
رابعاً: مرحلة المواجهات والاعتقالات.
_التدافع الفكري في الجامعات.
شهدت الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي أوج المواجهات بين الجماعة والتيارات الأخرى، خاصة مع طلبة اليسار، حيث كان التدافع ساخنًا في ساحات الجامعات.
_ تطور الممارسات.
تطورت الممارسات إلى حد:
التميز السحني والسلوكي ،العصيان والعقوق و تبني مظاهر في اللباس مستوحاة من مد شرقي.
_ ذروة العنف: تفجيرات 16 ماي 2003.
توجت هذه المرحلة بسلسلة تفجيرات دامية في 16 ماي 2003، مما جسد تحول الفكر من “الفكر المعسول” إلى “تطرف الزقوم”.
_الاعتقالات والإقامة الجبرية.
قاد هذا المسار ياسين إلى:
الاعتقال مرتين: ثلاث سنوات ثم سنتين ثم إقامة جبرية: عشر سنوات متواصلة في الفترة ما بين ،
1974 و2000.
خامساً: قراءة في التحول……. من التأطير إلى الانحراف
_ الأسئلة الجوهرية.
يثير هذا المسار تساؤلات جوهرية:
هل لم يكن بالبلاد إسلام، أم لكل شخص إسلامه؟
كيف تم الانتقال من فكر المختار السوسي المعتدل إلى مشروع المواجهة؟
_ عوامل التحول.
يمكن إرجاع التحول إلى:
اندساس بعض الاتباع المتشبعين بفكر متطرف من الشرق و الناهلين من مؤلفات الشيخ .
محاولة طبع الواقع المغربي بمد مذهبي مختلف.
الانجراف نحو حلم “خلافة منشودة”.
_ محصلة الماضي وآفاق المستقبل.
يمثل مسار عبد السلام ياسين وجماعة العدل والإحسان نموذجًا للتحول من فكر إصلاحي تأطيري إلى مشروع مواجهة عقائدية. وقد شكلت الثوابت الدينية المغربية مناعة طبيعية ضد هذه التوجهات، بينما تبقى محصلة ماضي الفتنة درسًا في ضرورة التمسك بالوحدة الوطنية والاجتهاد العقلي الرشيد.
إن الهدوء الذي نعرفه حاليًا هو نتيجة تجاذبات خلال مراحل متعددة، تختزن كل واحدة منها أطوارًا لفكر إسلامي انبثق من مصدرين رئيسيين، لكن العوامل السياسية والمصالح الخاصة أسست لفرق كلامية ورثت الفتن، التي وردت في اطارها الآية الكريمة :”هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ” (سورة آل عمران: 7)