عبدالله طهر
قبل أن اتناول موضوع الساعة ، شدتني الساعة ما بين الزيادة و النقصان في زمننا هذا ، بعدما كانت ثابتة في الزمن الجميل ، ووهكذا أصبح تفكيري يتأرجح بحركة كالنواس غير مستقر على قياس ، فاستدعيت من ذاكرتي زمنها البيولوجي على سجيته لعله يساعدني على فهم ما يجري من حوله من قرارات تطل علينا دوريا كل سنة و بحكم طبيعة الزمن البيولوجي الدوري قلت لنفسي انني سأجاري هذه القرارات و اطاردها لتفكيكها و ادراك ابعادها و كذلك كان .
من مفهوم الزمن العام إلى الزمن السياسي.
الزمن ليس فقط عقارب تدور على موانيء الساعات، بل بعد وجودي عميق تعددت قراءاته بين الرياضي والفيزيائي والبيولوجي والنفسي والتاريخي والاجتماعي. ففي الفلسفة، كان الزمن رقما للحركة عند أرسطو، وصورة قبلية في الذهن عند كانط، ومدة داخلية حقيقية عند برغسون، أما في الدين الإسلامي، فهو مخلوق لله، يتفاوت في قيمته “وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ”
[سورة الحج: الآية 47] ، لكن الزمن في عصرنا تحول إلى سلاح سياسي وإداري، حيث أصبحت عقارب الساعة تدفع أو تؤخر بقرارات حكومية، لا لضرورة كونية، بل لمصالح اقتصادية وإدارية موسمية كما تم تبرير ذلك ، وهكذا انتقلنا من مفهوم الزمن كإطار طبيعي للحياة، إلى الزمن السياسي الذي تصنعه الحكومات، وتفرضه على الناس رغماً عن فطرتهم وصحتهم.
إضافة ساعة.. والاعتراف بأنها رسميا بأنها غير قانونية….
في مفارقة غريبة، تعتمد بعض الحكومات نظام التوقيت الصيفي بإضافة ساعة كاملة، ثم تعود فتعلن الرجوع إلى التوقيت القانوني بعد أشهر. هذا الاعتراف الرسمي بأن الساعة الزائدة كانت غير قانونية طيلة تلك الفترة، يكشف عن هشاشة المبررات التي أقيم عليها هذا النظام، وعن استمرار التمسك به رغم الأدلة المتزايدة على أضراره.
فإذا كان التوقيت القانوني هو الطبيعي، فلماذا نغادر إليه في رمضان ثم نتركه بعد انتهاء الشهر؟ ولماذا نعترف ضمنياً بأننا كنا خارج الإطار القانوني، ثم نعود إليه وكأننا نمنح الناس إجازة من الساعة الزائدة؟ هذا التناقض يكشف أن القرار ليس قانونيا بقدر ما هو سياسي، يخضع للمزاج الإداري أكثر من خضوعه للمعايير العلمية والصحية. فهل الرجوع إلى الساعة القانونية في رمضان خوف من جزاء الحرام بحكم شرعي ؟
الزمن بأبعاده المتعددة: جيولوجيا، تاريخيا، اجتماعيا، نفسيا، بيولوجيا.
لفهم أزمة التوقيت الصيفي، يجب أن ننظر إلى الزمن بكل أبعاده:
_ الزمن الجيولوجي: يمتد لملايين السنين، والتوقيت الصيفي لا معنى له في هذا البعد.
·_الزمن التاريخي: يعكس تطور المجتمعات، وبعض الدول تخلت عن هذه العادة بعد أن ثبت فشلها .
تقديم التوقيت ساعة واحدة بضرورات اقتصادية وحربية، بدأت فعلياً عام 1916 خلال الحرب العالمية الأولى في ألمانيا ثم بريطانيا وأمريكا، بهدف استغلال ساعات النهار الطويلة لتوفير الوقود والكهرباء. ورغم جذور الفكرة التي تعود إلى مقترحات بنيامين فرانكلين عام 1784، ظل تطبيقها متقلباً ومثيراً للجدل، حيث تعتمده الدول صيفاً وتتخلى عنه شتاءً، أو تقوم بتثبيته لتحقيق فوائد اقتصادية، رغم الانتقادات المتعلقة بتأثيره على الساعة البيولوجية.
_ الزمن الاجتماعي: الذي ينظمه المجتمع بتقاليده، حيث تتعارض الساعة الزائدة مع إيقاع الحياة اليومية للعائلات.
_ الزمن النفسي: وهو الأكثر تأثرا بالتغيير المفاجئ، حيث يعاني الناس من اضطراب في إدراكهم للوقت، ويشعرون بالتعب والارتباك.
_ الزمن البيولوجي: وهو الأكثر أهمية، لأنه مرتبط بالساعة الداخلية للإنسان، التي تعمل وفق إيقاع يومي منتظم تتحكم فيه افرازات دورية .
وهنا تكمن المفارقة الكبرى: الزمن البيولوجي دوري، يعود كل يوم ليلا ونهارا، بينما باقي أنواع الزمن خطية تتجه من الماضي إلى المستقبل. وعندما نضيف ساعة أو نحذفها، فإننا نكسر هذا الإيقاع الدوري الطبيعي، ونفرض على الجسم نمطا زمنيا اصطناعياً يتناقض مع برمجته البيولوجية التي خلقها الله منذ آلاف السنين.
الطبيب النفسي رئيس الحكومة.. والمفارقة.
في مشهد يحمل الكثير من السخرية القدرية، كان رئيس الحكومة الذي تبنى التوقيت الصيفي في بلادنا طبيبا نفسيا، وهو من حزب “العدالة والتنمية” الذي يحمل المرجعية الإسلامية. فكيف لطبيب نفسي أن يغفل عن الأضرار النفسية المترتبة على إضافة ساعة؟ وكيف لحزب إسلامي أن يتجاهل أن الإسلام جعل الليل سكنا والنهار نشورا، وأن النبي محمد ، قال: “إن لبدنك عليك حقاً”؟
هنا تكمن المفارقة: الطبيب النفسي يفترض أن يدرك أكثر من غيره أن اضطراب النوم المزمن يؤدي إلى:· _الاكتئاب والقلق و ضعف التركيز و الذاكرة و زيادة التوتر والعصبية و
انخفاض الأداء الوظيفي والدراسي،
والحزب الديني يفترض أن يكون أول من يدافع عن مقاصد الشريعة في حفظ النفس والعقل والنسل، فكيف يقر نظاما يضرب هذه المقاصد في الصميم.
الزمن بين الفلسفي والديني والبيولوجي.. ومحاكمة مضيف الساعة.
عندما ننظر إلى الزمن من زاوية فلسفية، نجد أن الفلاسفة اختلفوا في طبيعته، لكنهم اتفقوا على أن أي تغيير في إدراكه يؤثر في وجود الإنسان. وعندما ننظر إليه من زاوية دينية، نجد أن الله جعل الليل والنهار آيتين ثابتتين، لا تبديل فيهما: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ).
[سورة الإسراء: الاية 12].
وعندما ننظر إليه من زاوية بيولوجية، نجد أن الساعة الداخلية في جسم الإنسان التي تتحكم في النوم واليقظة والهرمونات لا يمكن تغييرها بقرار إداري. إنها إيقاعات مستقرة تطورت عبر ملايين السنين، ولا يمكن خداعها.
وهكذا نصل إلى محاكمة منطقية لمضيف الساعة: كيف يمكن لطبيب نفسي أن يتناقض مع علمه؟ وكيف لحزب إسلامي أن يتناقض مع دينه؟ وكيف لرئيس حكومة أن يتناقض مع مسؤوليته عن صحة المواطنين؟ إن إضافة ساعة ليست مجرد تغيير في العقارب، بل هي انتهاك صارخ للزمن البيولوجي، وتعدي على الفطرة التي خلق الله الناس عليها.
ساعة سعيدة.. ضاعت مع المال.
في زمن مضى، كانت الساعة القانونية هي السائدة، وكان الفنانون يغنون للحظة السعيدة التي لا تباع بالأموال. فمحمود الإدريسي غنى : “ساعة سعيدة ما تباع بالأموال”. في تلك الأيام، كان الزمن ملكا للناس، وكانت حياتهم تنتظم وفق إيقاع طبيعي لا تشويه فيه ولا تشتيت ، لكن حضور
وازع المال غيَّر كل شيء حيث جاءت المبررات الاقتصادية: توفير الطاقة، مواكبة الأسواق العالمية، زيادة ساعات العمل. لكن ثمن هذه المكاسب الزائفة كان باهظاً، لقد بعنا زمننا، بعنا صحتنا النفسية والفسيولوجية، بعنا نوم أطفالنا، بعنا تركيز طلابنا، بعنا سلامة عمالنا.
فأي اقتصاد هذا الذي يُبنى على أنقاض الصحة؟ وأي ربح يُحقق على حساب معاناة الأسر؟ إن الفقير الذي يستيقظ في الظلام ليذهب إلى عمله، والطفل الذي يذهب إلى مدرسته قبل طلوع الشمس، والطالب الذي يحاول التركيز بعد ليلة ناقصة، كلهم يدفعون الثمن. والمال الذي وفر في فاتورة الكهرباء، ذهب في فواتير العلاج والأضرار غير المباشرة.
هيئات المجتمع المدني تتحرك: عريضة للتحرر من الساعة الزائدة، كاقتلاع الزائدة الدودية ….
بعد سنوات من المعاناة الصامتة، بدأت الأصوات تتعالى للمطالبة بإنهاء هذا القرار المتعب. هيئات المجتمع المدني، التي تمثل نبض الشارع وهموم المواطنين، شرعت في إعداد عريضة وطنية للتحرر من الساعة الزائدة فهذه العريضة تستند إلى:
_دراسات علمية موثقة تثبت الأضرار النفسية والفسيولوجية والاقتصادية للتوقيت الصيفي.
_تقارير صحية توثق ارتفاع معدلات اضطرابات النوم والحوادث خلال فترة التوقيت الصيفي.
_مرجعيات دينية وقانونية تؤكد أن حفظ الصحة واجب، وأن الضرر يجب إزالته.
_تجارب دولية لدول تخلت عن هذه العادة بعد أن ثبت فشلها.
و لكل ذلك فهذه العريضة ليست مجرد وثيقة احتجاجية، بل هي خطوة نحو استعادة الزمن الطبيعي، نحو تحرير الناس من ساعة دخيلة ، لمصالح محدودة ، فرضت عليهم بغير حق، نحو إعادة الاعتبار للزمن البيولوجي الدوري الذي خلق الله الناس عليه.
مثل “بدل ساعة بأخرى” لا ينطبق على زيادتها.
يقول المثل الشعبي: “بدل ساعة بأخرى”، في إشارة إلى تبادل الأدوار أو تغيير الحال. لكن هذا المثل لا ينطبق على حالة التوقيت الصيفي، لأن هناك فرقا عميفا بين الحالتين،
في الحالة الأولى ، تأجيل موضوع نقاش ، حيث يكون الأمر خيارا، يمكن من تجنب انعكاس او خطر بالاختيار المناسب. أما في الحالة الثانية إضافة ساعة، فالأمر إلزامي، ولا خيار للناس فيه.، فهذا الإلزام يحول الزمن إلى أداة تعذيب نفسي وصحي، خاصة للفئات الهشة كالأطفال، والعمال، والطلاب، وكبار السن، والمرضى،
فبدل أن تكون الساعة أداة لتنظيم الحياة، أصبحت أداة لتعطيلها. وبدل أن تكون نعمة، أصبحت نقمة. وبدل أن تكون مقياسا للزمن، أصبحت عبئا على الزمن.
الدراسات تؤكد الانعكاس السلبي على الإنسان بإضافة ساعة.
لم تكن دعوات إنهاء التوقيت الصيفي مجرد انطباعات شخصية، بل استندت إلى عشرات الدراسات العلمية الموثقة التي أثبتت الأضرار الجسيمة لهذا النظام. من أبرز هذه الدراسات:
_ دراسة سويدية ، أثبتت أن معدلات النوبات القلبية تزيد بنسبة 5-10% في الأيام الثلاثة الأولى بعد تقديم الساعة.
_ دراسة أمريكية (جامعة كولورادو) : أكدت ارتفاع حوادث السيارات القاتلة بنسبة 6% بعد التوقيت الصيفي.
_ دراسة فنلندية : ربطت بين التوقيت الصيفي وزيادة حالات السكتة الدماغية بنسبة 8% في الأسبوع الأول.
_دراسات في علم النوم : أثبتت أن الحرمان من ساعة نوم واحدة يؤدي إلى:
_ انخفاض الأداء المعرفي بنسبة 10-15%.
_زيادة الأخطاء المهنية.
_ تراجع التحصيل الدراسي.
_ اضطرابات المزاج والسلوك.
_تقارير منظمة الصحة العالمية : أشارت إلى أن التوقيت الصيفي يتعارض مع الإيقاعات البيولوجية الطبيعية، ويصنف كعامل خطر على الصحة العامة.
إلى أي زمن سندفع ثمن ساعة منبوذة ؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، وبكل إلحاح: إلى متى سيبقى المواطنون يدفعون ثمن ساعة لا يريدونها؟ إلى متى سيبقى الأطفال يستيقظون في الظلام؟ إلى متى سيبقى العمال يعانون من قلة النوم؟ إلى متى ستبقى حوادث الطريق تزداد بسبب الإرهاق؟
لقد آن الأوان لأن يصغي المسؤولون إلى صوت العلم، وإلى صوت الضمير، وإلى صوت الشارع. آن الأوان لأن تعود الساعة إلى طبيعتها، ولأن يتحرر الزمن من عبث السياسة. آن الأوان لأن ندرك أن الصحة أغلى من أي توفير في الطاقة، وأن حياة الأطفال أغلى من أي مكسب اقتصادي.
ساعة سعيدة لا تباع بالأموال.. هذه الأغنية القديمة تحمل اليوم رسالة جديدة، أن الزمن الحقيقي لا تصنعه الحكومات، ولا تشتريه النقود. الزمن الحقيقي هو ما خلق الله الناس عليه ليلاً للراحة، ونهارا للنشور و السعي إلى العمل فهل نعود إلى هذه الفطرة و يعترف الطبيب النفسي ان ساعته لن تكن لنا علاجا بقدر ما كانت و لاتزال اضطرابات نفسية ؟
رحل الطبيب إلى عيادته و عادت حكومة الاقتصاد بفضله ، إلى السعي إلى المال بزيادة ساعة و تتبيلها بزيادة الأسعار و تقديس المحروقات بعد ان أطلق سراحها سلفه الذي تفنن في نقص الأرزاق من الجيوب …”الله يجيب ما احسن “