إعداد سعيدة بويد
في ذاكرة مدينة آسفي، لا يمر اسم “الصيمصو” مرورًا عادياً، بل يُستحضر كظل ثقيل من الخوف، كحكاية كانت تُروى همسًا، وككابوس جماعي سكن أزقة المدينة وأحياءها لسنوات طويلة.
بجسد ضخم وبنية قوية، كان “الصيمصو” يفرض حضوره دون استئذان. جلبابه القصير المفتوح، ساقاه العاريتان في عز البرد، شاربه الكثيف ورأسه الأصلع، كلها تفاصيل صنعت ملامح شخصية خارجة عن المألوف. كان يمشي حافي القدمين أو بصندل بالكاد يحتوي قدميه، وبين أصابعه سيجارة قصيرة، كأنها جزء من طقوسه اليومية.
لم يكن يحمل سلاحًا، لكن صفيحة القصدير التي كان يطبل عليها، وصفيره الحاد، كانا كافيين لإخلاء الشوارع من المارة. مجرد سماع صوته كان كفيلاً بزرع الرعب في القلوب. أطفال، نساء، ورجال… الجميع كان يتحاشى طريقه. حتى الأمهات وجدن في اسمه وسيلة لتأديب أطفالهن: “الصيمصو جاي”، عبارة كانت تختصر الخوف كله.
ورغم هذه الصورة المرعبة، ظل “الصيمصو” لغزًا محيّرًا. ينتمي إلى أسرة بسيطة، لكن مسار حياته انحرف نحو المجهول. هل كان يعاني من مرض لم يجد له علاجًا؟ أم أنه اختار عن وعي أن يرتدي قناع الوحش ويعيش دورًا خاصًا به؟ أسئلة بقيت بلا جواب، وزادت من غموض شخصيته.
في ذاكرة عاملات وعمال معامل تصبير السمك، يظل اسمه مرتبطًا بلحظات مضايقة وخوف، حيث كان يعترض طريقهم ويفرض حضوره بأسلوبه الخاص، كأنه يقتات من رهبة الآخرين.
لكن حياة “الصيمصو” لم تخلُ من المنعرجات الحادة. مواجهة قانونية مع إحدى القاضيات قادته إلى السجن، وهناك بدأت ملامح النهاية تتشكل. بعد خروجه، لم يعد ذلك “الوحش” الذي كانت تخشاه المدينة، بل تحول إلى رجل منهك، تتآكل قوته يومًا بعد يوم، قبل أن ينتهي به المطاف في المستشفى.
في أشهره الأخيرة، لم يعد “الصيمصو” سوى شيخ ضعيف، يجوب الشوارع بملامح منكسرة، لا توحي بشيء من جبروت الماضي. رحل في صمت، كما لو أن المدينة طوت صفحته بهدوء، تاركًا خلفه حكاية مفتوحة على التأويل.
“الصيمصو” لم يكن مجرد شخص… بل ظاهرة. بين الخوف والشفقة، بين الأسطورة والحقيقة، يظل اسمه شاهدًا على قصة إنسان اختار—أو فُرض عليه—أن يعيش خارج المألوف، قبل أن ينتهي به المطاف إلى هشاشة لا تختلف عن باقي البشر.