بورتريه..صاحب التلاوة أحمد بوكماخ.. الذي انقذ جيلا مغربيا.

109

عبد الله طهر.

في زمن كانت فيه المدرسة المغربية تبحث عن هويتها، كان هناك رجل آمن بأن مفاتيح المعرفة تبدأ من أول كلمة نزلت في القرآن: “اقرأ”. إنه الأستاذ أحمد بوكماخ، صاحب سلسلة “إقرأ” التي لم تكن مجرد كتب مدرسية، بل كانت مشروعا تربويا متكاملا كرس لبناء أجيال متعاقبة منذ الستينيات.

المولد والنشأة.. من محل البقالة إلى مدرسة الحياة.

ولد أحمد بوكماخ في مدينة طنجة ، حيث نشأ في كنف أسرة مغربية محافظة غرست فيه حب العلم والتعلق بالدين والوطن. كان والده صاحب محل بقالة في طنجة، محل لم يكن مجرد فضاء للتجارة، بل كان مدرسة حياة مبكرة لأحمد الصغير.
منذ نعومة أظفاره، اعتاد أحمد العمل في هذا المحل العائلي، يتنقل بين الرفوف، يبيع ويشتري، ويتعامل مع الزبائن من مختلف المشارب. كانت تلك التجربة الأولى في التعامل مع الناس صقلت شخصيته المبكرة ومنحته حسا عاليا بالمسؤولية. و لم يكن يعلم أن هذا المحل المتواضع سيصبح واجهة لأنشطة سياسية ونضالية كبرى.
كان متجر العائلة واجهة سرية للأنشطة السياسية والنضالية ضد الاستعمار الفرنسي. في ذلك الفضاء الضيق، كانت تعقد اللقاءات وتنسق المواقف وتخطط لمواجهة المستعمر. وكان القدر أن تكتشف السلطات الفرنسية هذا النشاط، فتقدم على اعتقال والده، تاركة الأسرة في مواجهة المصير المجهول.
وهنا بدأت أولى محطات النضج المبكر في حياة أحمد بوكماخ. فقد اضطر وهو صغير السن أن يتولى إدارة المتجر ويعيل أسرته بعد اعتقال والده. حمل على عاتقه هموم العائلة مبكرا، وأدرك أن الحياة ليست مجرد كلمات، بل مسؤوليات وتحديات.
تلك التجربة القاسية، وهذا الاحتكاك المبكر بمعاني النضال والحرية والاستقلال، سيشكلان لاحقا جزءا من فلسفته التربوية. ففي سلسلته “إقرأ”، كان يحرص على غرس قيم الوطنية والاعتزاز بالهوية، وكأنه يكتب للأطفال ما عاشه هو طفلا، وما تمنى أن يتعلمه في تلك السن المبكرة.
من رحم المعاناة تولد العظمة، ومن متجر صغير في طنجة انطلق أحمد بوكماخ ليصبح أحد أعلام التربية في المغرب،
حاملا في ذاكرته دروس الطفولة: الصبر، المسؤولية، حب الوطن، والإيمان بأن الكلمة هي سلاح الأمم في البناء والتحرر.

أحمد بوكماخ.. اسم على مسمى.

في اللغة العربية، “كمخ” بفتح الكاف والميم تحمل دلالات العمق والتميز ، فهي تعني التكبر والشموخ بمعناه الإيجابي، كما أن “الكامخ” هو ذلك الإدام أو المخلل الذي يشهي الطعام ويضفي عليه نكهة خاصة.
وكأن القدر أراد للأستاذ بوكماخ أن يكون حرفه “إداما” للمعرفة في عقول الأطفال. فكما يخلل الكامخ ويعتق حتى يصبح طيب المذاق، هكذا عتق بوكماخ كلماته في سلسلة “إقرأ” حتى استوت نصوصا موجزة ، أدبية محببة إلى نفوس التلاميذ، فكانت للأطفال “سمنا على عسل” كما يقال في المثل الشعبي.

إقرأ.. عندما يلتقي التأسيس التربوي بالأمر الإلهي.

لم يكن اختيار اسم السلسلة “إقرأ” اعتباطيا . إنه اختيار يحمل أبعادا روحية وفلسفية عميقة، مستمد من أول آية نزلت في القرآن الكريم. يحمل هذا الاسم الأمر الإلهي بالقراءة والتعليم، ويذكرنا بأن الله “الذي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ”.

هكذا أراد بوكماخ لسلسلته أن تكون امتدادا لهذه الرسالة السماوية، حيث يمتزج التعليم بالقيم والأخلاق. نصوصه لم تكن مجرد كلمات للقراءة، بل كانت دروسا في الحياة والدين والوطن.

نصوص خالدة تحمل القيم والأخلاق.

من يتصفح سلسلة “إقرأ” يجد كنزا من النصوص التي تحمل أبعادا تربوية وأخلاقية عميقة. ففي نص “الله يرانا”، يغرس بوكماخ في نفوس الأطفال مفهوم المراقبة الإلهية، فينشأ الطفل وهو يشعر بأنه دائما تحت نظر الله، فيستقيم سلوكه و ينقى قلبه.

وفي نص “سعاد في المكتبة”، يغرس حب القراءة والاطلاع، ويجعل من المكتبة فضاء للاكتشاف والمعرفة. هذه النصوص لم تكن مجرد دروس عابرة، بل كانت لبنات في بناء شخصية الطفل المغربي المتوازن.

الإيجاز في التأليف.. بلاغة المعنى واقتصاد الكلمات.

تميزت سلسلة “إقرأ” بطابعها النثري البسيط والسهل، مع تراكيب لغوية واضحة غير معقدة. كان بوكماخ مدركا أن الطفل يحتاج إلى نصوص سهلة الحفظ، سريعة التذكر، قادرة على أداء دورها التعليمي دون حشو و لا إطناب أو تعقيد .
فالنصوص جاءت موجزة لكنها عميقة، بسيطة و حكيمة. و كان هذا هو السر في قدرتها على البقاء في ذاكرة الأجيال رغم مرور العقود. إنها مدرسة في الإيجاز ، لا الحشو و الاطناب، وفي الجودة لا الثقل المرصوص بالمحافظ.

قاموس مصور.. عندما تصبح الصورة معلما.

أدرك بوكماخ أن تعلم الطفل يحتاج إلى تحفيز بصري، فجاءت نصوصه غنية بقاموس مصور يحفز فضول المتعلم ويدفعه للتعلم الذاتي. الصور لم تكن مجرد زينة، بل كانت جزءا من العملية التعليمية، تساعد على الفهم والحفظ وتربط الكلمة بالصورة والصورة بالواقع.

التعليم رسالة وطنية.. لا تجارة رابحة.

في زمن تحولت فيه بعض المناهج التعليمية إلى سلعة تجارية، يظل مشروع بوكماخ نموذجا للتعليم كرسالة وطنية نبيلة. لقد كان همه الأول تكوين أجيال بروح وطنية، وليس تحقيق أرباح مادية. سلسلته حملت مشروعا وطنية و حضاريا لبناء مواطن مغربي يعتز بدينه ووطنه وهوويته.

من “الشموخ” إلى “الريادة”.. مسافة التردي التي لا ترحم.

اليوم، ونحن نستحضر هذا العلم الشامخ، لا نملك إلا المقارنة بين جيلين تفصل بينهما سنوات معدودات على أصابع اليد الواحدة التي خصصت لتغير المنهاج و سنوات أخرى لهدم مسترسل ، لكن الفجوة بينهما تعادل زمنا مضاعفا من التردي والانحدار.

فجيل بوكماخ كان بالفعل جيلا شامخا بالمعنى العميق للكلمة . فقد كان التلميذ في زمن السلسلة الخالدة يتقن تطريز العبارات والكلمات بالحروف ضبطا وتمييزا. كان يكتب فينطق الحرف مكتملا، وتتشكل الجملة فتنبض بالمعاني العميقة. سنوات بأعداد أصابع اليد كانت كافية لكتابة مبدعة بريشة تغمس في مداد بلون الفخر ، ولتخريج تلميذ يحسن القراءة والكتابة والتعبير، ويطوف المعلم الفقيه ، بمواضيعه الإبداعية على الأقسام للتحفيز والاقتداء.

أما اليوم، ومع جيل “الريادة” وهو الاسم الذي يثير السخرية بزيادة ، قبل الأسى، فقد اختلط الحرف، وتلف المعنى، وضاعت البوصلة. لم تعد التاء المربوطة، مربوطة في كتاباتهم، ولا المبسوطة ظفرت بانبساطها. صرنا نقرأ نصوصا لا تكاد تفهم، وحروفا تائهة لا تعرف طريقها إلى الضبط السليم، وكأن العربية أصبحت لغة غريبة على أبنائها.

والأكثر إيلاما أن الإجازة والماستر والدكتوراه، التي كانت بالأمس القريب شهادات تقدير وجهد ومعرفة، تحولت اليوم في كثير من الأحيان ، إلى مجرد تذكارات لصور تباع وتشترى في أسواق المزاد. شهادات بدون تعب، وألقاب بدون علم، ودرجات بدون كفاءة. وكل ذلك يتم تحت مسميات براقة لا تمت للواقع بصلة.

تراث ثقافي علمي يسائل الحاضر والمستقبل.

ما تركه الأستاذ أحمد بوكماخ ليس مجرد كتب مدرسية، بل هو مشروع متكامل يسائل واقعنا التعليمي اليوم. كيف نستعيد تلك الروح؟ كيف نعيد الاعتبار للتعليم كرسالة قبل أن يكون تجارة؟ كيف نصنع أجيالا تقرأ وتتعلم وتتقدم، وتضبط الحروف كما كان يفعل تلاميذ الأمس؟

سلسلة “إقرأ” تذكرنا دائما بأن النهضة تبدأ من الفصل الدراسي، ومن الكتاب المدرسي، ومن المعلم المؤمن برسالته. إنها دعوة لاستلهام الماضي لبناء المستقبل، وللتأكيد على أن التعليم هو الطريق الوحيد للمجد والتقدم.

رحل الأستاذ أحمد بوكماخ، لكنه ترك لنا إرثا لا يموت. ترك لنا أجيالا من المغاربة تعلمت من كتبه حب القراءة، وقيم الدين، والانتماء للوطن. ترك لنا درسا في العطاء والإخلاص، وفي أن المعلم الحقيقي هو من يخلد اسمه في عقول تلاميذه وقلوبهم.

فهل من مكمل لمسيرة هذا الرجل؟ هل من مجدد لمشروعه التربوي يعيد للمدرسة المغربية هيبتها، وللغة العربية ضبطها، وللشهادات قيمتها، بما يتناسب مع تحديات العصر؟ سيبقى أحمد بوكماخ نموذجا للمعلم الذي جعل من حروفه نورا يضيء دروب الأجيال، وشاهدا على زمن كان التعليم فيه شموخا، قبل أن يتحول في زمن “الريادة” إلى تذكارات صور لشهاداتة تباع في المزادات ، لمن يدفع أكثر ، لتستحق لقب شهادات العيب التي تمنح من طرف المتسللين لجامعات تم بناؤها على كاهل جيل عابد الجابري و عبد الله العروي و محمد جسوس و القائمة طويلة ، و يطول سفرنا إلى عمق تراثنا للكشف عن ذواتنا ، اما ما علق في ذاكرتنا فهي كلمة إقرأ ، فعل امر مررناه إلى ابنائنا و أحفادنا لكن دون جدوى في سياق وباء المتاجرة بالمعرفة المدرسة(بتشديد الراء و فتحها).

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في تربية وتعليم
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

مقتنيات خاصة : لوحة فلكية على جلد الغزال