عبد الله طهر
رحلة بين دفوف الماضي وجدران الحاضر ونوافذ المستقبل.
دفتر العودة: حين كانت المعرفة تُتَّخذ قنديلاً.
“أنا من المدرسة القديمة… لا زلت أؤمن بالاحترام”. بهذه الكلمات الهادئة الوازنة نفتح دفاتر الذاكرة، حيث كان للمعرفة هيبة، وللكتاب رائحة، وللحرف مكانة لا تُنافسها شاشة ولا تطغى عليها منصة. كانت المدرسة القديمة ممنعة يحكمها الفقيه والأستاذ بعدل، وتزينها الألواح الخشبية المصقولة بالطين، وتُؤثثها مقاعد يعلوها الخشب ويسندها الاحترام. لم تكن المعرفة مجرد معلومات عابرة، بل كانت عقداً يُنظم في الصدور، ورسوخاً في القلوب.
في صحبة الكتب: من “إقرأ” إلى “لنقرأ جيداً ولنفهم”
من يراجع مسيرة التعليم في المغرب، يقف إجلالاً لأسماء صنعت الفارق. أحمد بوكماخ، ذلك الرجل الذي يستحق تكريماً وطنياً يليق بمشروعه التربوي الفريد، مشروع “إقرأ” الذي أيقظ في الأجيال شغف الحرف قبل أن تزاحمه التقنية. وعلى خطاه، كان “لنقرأ جيداً ولنفهم” له.ترانشار وج.لوفري والسيدة أم.روكنوني، تلك السلسلة التي جمعت بين النثر الهادف والقاموس المصور، وبين قصة “عنزة السيد سوكان” وغيرها من النصوص التي كانت تفتح للطفل نوافذ على العالم بلغة سهلة وعميقة معاً.
كنوز في مهب النسيان: من القرويين إلى زمن الرداءة.
غير أن الأسف يكمن في أن الجيل الذي شمّ رائحة الماضي، وغمس ريشته في المداد، وخط الحروف على اللوح، أصبح اليوم يشعر أنه “حرق المراحل” دون أن يفي العهد لأصحاب الألفية والجرومية وأصول الفقه والفلك. إنهم خريجو جامعة القرويين ومدرسة ابن يوسف، الذين حملوا في ذاكرتهم كنوزاً تخشى الذاكرة أن تتلاشى مع زمن “ريادة الرداءة”. وما يؤلم أكثر، أنها تظلم الطريق إلى المستقبل، حيث أصبحت السيادة لثقافة التفاهة التي تُسمى قسراً ريادة، ولعبت فيها التجارة دوراً في دفع الأجيال إلى المجهول.
أرقام تقرع الأجراس: حين يتراجع المستوى وتتدهور اللغات.
ليست الإشادة بالماضي حنيناً فقط، بل هي قراءة موضوعية لواقع مؤلم. فقد تراجعت قدرة التلاميذ على القراءة، وتدهورت اللغات، وانحدر المستوى الدراسي الذي كان شامخاً إلى مراتب متدنية. وهذا التردي ليس محلياً فقط، بل هو عالمي، تؤكده دراسة فرنسية صدرت الأسبوع الماضي، وكشفت أن 72% من أساتذة المستقبل في فرنسا لا يتقنون لغتهم الوطنية. إنه مؤشر خطير يقرع أجراس الخطر في كل البيئات التعليمية، ويضعنا أمام سؤال وجودي: كيف نبني جيلاً يقود المستقبل بلغة لا يجيدها ولا يفهم عمقها؟
رسالة في ختام السفر: بين أمسِ المعرفة وغدِ الأمل.
نحن اليوم أمام مفترق طرق: إما أن ننحني أمام زحف التفاهة، وإما أن نعود لجوهر المدرسة القديمة، لا بتكرار أساليبها، بل باستعادة روحها: روح الاحترام، والجدية، والعمق، والثقة في أن المعرفة وحدها هي من تصنع الفارق. فكما أن “أنا من المدرسة القديمة” ليست شعاراً جامداً، بل هي منهج حياة، فإن المستقبل لن يُبنى إلا بجذور راسخة في الماضي، وأجنحة مفتوحة على الحاضر، وعيون تحدق في الغد بثقة من يملك زاداً من معرفة وأدب.