الثعلب.. بين المكر والفضيلة وسرقة الدجاج.

154

بقلم عبد الله طهر

حيوان لا يتعلم الدين… لأنه يؤمن بالغريزة.

عندما يُطلق لقب الثعلب على إنسان، فنحن أمام توصيف خطير: عاقل، خبيث، داهية، شديد المكر والدهاء. تشبيه بهذا الحيوان الذي حملته الثقافات عبر العصور رمزا للاحتيال والخداع، حتى صارت صفاته مرآة لسلوك بشري لا يتردد عن السطو باسم الذكاء.

الثعلب : حيوان أنيق المظهر متقن الحركة.

الثعلب حيوان ثديي متوسط الحجم، يشبه الكلب الصغير، بفراء كثيف وناعم. اللون الأحمر المائل إلى البرتقالي هو الأشهر، مع سواد في الأذنين والقوائم، وذيل كثيف طويل لا يستخدم للزينة فقط، بل للحفاظ على التوازن أثناء الركض، وكغطاء دافئ في ليالي الشتاء القارسة.
رأسه صغير، وأنفه مدبب، وأذناه منتصبتان مثلثتان حساستان لأدنى صوت. عيناه العميقتان بحدقتين عموديتين مثل القط، تمنحانه رؤية ثاقبة في الظلام الدامس. إنه كائن خلق بهذه الصفات ، ليكون في حالة يقظة وترقب دائمين.

مكرالثعلب .. غريزة البقاء لا خيار أخلاقي.

الصفة الملتصقة بالثعلب عبر الثقافات هي المكر والاحتيال، وهي ليست وصمة عشوائية، بل انعكاس دقيق لملاحظة سلوكه في الطبيعة. فالثعلب
يتظاهر بالموت للاقتراب من فريسته ، أو خداع صياديه
· يستطيع فتح الأقفال وتسلق الأسوار للوصول إلى أقفاص الدجاج.
يختبئ في جحره متعدد المخارج للهروب السريع عند الخطر.
يتقن فن الكمين ثم ينسحب بسرعة كأن شيئاً لم يكن،
لكن هل يمكن محاسبة الثعلب على هذه الأفعال؟ هل هو مجرم في نظر الطبيعة؟

الحقيقة البيولوجية..من صنعت الثعلب .

الثعلب لا يسرق الدجاج لأنه شرير بل لأن غريزته تملي عليه البقاء. نظامه الغذائي قارت ، آكل لكل شيء ، يصطاد القوارض والأرانب، لكنه حين يقترب من المستوطنات البشرية، يجد الدجاج فريسة سهلة. مرونته الغذائية هي سر نجاحه في الانتشار من الغابات حتى محيط المدن الكبرى.

وجه آخر للثعلب لا يعرفه الكثيرون.. الإخلاص العائلي.

في مفارقة لافتة، هذا المحتال المحترف يتمتع بحياة عائلية نموذجية.
الإخلاص الزوجي: عادة ما يلتزم بزواج واحد مدى الحياة
الأبوة المسؤولة: يحضر الذكر الطعام للأم أثناء فترة الرضاعة
التربية المشتركة: يتشارك الوالدان في تعليم الصغار مهارات الصيد والبقاء
إنه كائن معقد، ماكر مع الفريسة، حنون مع العائلة. لكنه لا يخلط بين الاثنين.

الدرس الفلسفي: ماذا لو تعلم الإنسان دين الثعلب !

هنا يأتي السؤال الأعمق، الذي تطرحه المقولة بقوة:
“إذا تعلمت الدين من الثعلب، فسوف تعتقد تدريجيا أن سرقة الدجاج فضيلة”

هذه المقولة تحمل بعدا تربويا وفلسفيا خطيرا. فالثعلب يتصرف وفق غريزته، لا وفق أخلاق مكتسبة. لكن الإنسان الذي يقلد سلوك الثعلب، ويجعل من المكر والخديعة طقسا يوميا، سيصل تدريجيا إلى قلب القيم. سيبرر الاحتيال
باسم الذكاء و سيطبع السطو
باسم القدرة على التكيف
و سيصنع المكائد بسبق الإصرار والترصد و سيعتبر الضحايا
مجرد دجاج في الأقفاص.
فالفرق الجوهري ، هو كون الثعلب يسرق الدجاج لأنه ثعلب، أما الإنسان فيسرق باسم أنه ثعلب!

الثعالب في المجتمع الإنساني.. عندما يصبح المكر مهنة.

في عالمنا الواقعي، نرى ثعالب بشرية لا تحصى.
منها من يمارس النصب والاحتيال عبر شبكات منظمة.
و آخر يتسلق أسوار السلطة بالمكائد والخداع.
و هناك من يتظاهر بالموت أخلاقيا ليقتنص الفرص.
و اخيرا من يحول المرونة إلى انتهازية، والذكاء إلى احتيال.
هؤلاء تعلموا دين الثعلب، فأصبحوا يرون سرقة الدجاج بكل أشكالها فضيلة، بل مهارة تستحق الإعجاب!

بين الغريزة والأخلاق.

الثعلب الحقيقي حيوان جميل، معقد، ذكي، ومثير للإعجاب في قدرته على البقاء. لكنه لا يحمل مشروعا أخلاقيا للبشر. مشكلتنا ليست مع الثعلب في الغابة، بل مع الإنسان المتثعلب في المجتمع و الذي يخلط بين
المكر كغريزة بقاء والمكر كمنهج حياة و يتخلى عن
الفضيلة تدريجيا حتى تصبح الرذيلة عادة و يبرر أفعاله
بـالطبيعة متناسيا أن له عقلا وضميرا.
فالفرق بين ثعلب الغابة وثعلب البشر، أن الأول يأكل ليعيش، أما الثاني فيعيش ليأكل.. حتى لو كان ما يأكله هو قيم الآخرين وحقوقهم.

تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

لوحة الحلية النبوية الشريفة..من مقتنيات المهتم بالتراث سعيد الجدياني