المقلاع ..أو “جباد لبلا ” في الطفولة …

114

عبد الله طهر

مقلاع  “جباد ” كما  رأيته … ابداع يد صانع تترجم  صورته،  التأني في الاختيار للفركة و  تقشيرها  و صقلها و قياس دقيق لأبعادها و اقتناء المطاط المربع و الاحمر القاني و الجلدة المستطيلة المرنة و المطاط الاسود المستطيل للتثبيت .
اداة تجمع براعة الصنعة و شغف الصانع المبدع ، و القناص المبلي  بالطيور.
ذكرني بصفعتين ذات يوم في طفولتي….
في بوادي المغرب ومدنه، وقبل عصر الألعاب  المعاصرة و الإلكترونية، كان للمقلاع أو “الجباد” ، هيبة خاصة في ثقافة الطفل واليافع المغربي. لم يكن مجرد أداة للقنص، بل كان بطاقة عبور نحو المغامرة، وصناعة أولى، واختبارا للذكاء والمهارة اليدوية. من غصن شجرة رمان او زيتون أو ليمون  او  تين،  إلى مطاط  مسطح لعجلات دراجات هوائية و نارية و سيارات و حافلات و …. و مطاط مستورد بشكل مربع “كاري”، لتتعدد أنواعه و تتفاوت جودته ، لكن الثابت انه بقى رمزاً لذاكرة طفولية لا تنسى في حاضر الانسان البالغ .

كائن من خشب ومطاط بين الإبداع والقسوة

ليس مجرد أداة، بل كائن حي يولد بين يدي طفل، فيأخذ شكله النهائي من رحم غصن شجرة. جسمه الخشبي، أو “القنبة”  أو “الفرشيطة” أو” الفركة “، هو هيكل تشكيلي بامتياز: فرع يتشعب بانحناءة هندسية منتظمة غالبا على شكل  الحرف ما قبل الاخير للأبجدية اللاتينية
حيث يتسع الذراعان في الأعلى ليشكلا أبعاده متناسقة بدقة قطرهما و طولهما وتساوي زاوية انحراف كل منهما حتى لا يطغى أحدهما على الآخر، كموازين دقيقة و طول المقبض  يكفي ليمتلئ بقبضة اليد الصغيرة الصانعة له ،. بتنعيم الخشب وتجريده من قشرته التي تخفي عقده التي تروي  عدد براعم  كانت منبعثة  منه تروي حكاية أغصان كانت سترى حياة لم تكتب لها .
ينبثق من طرفي الذراعين الخشبيين ما يمنح هذا الكائن روحه المطاطية، شريطان أحمران قانييين لفا بعناية بتراكب  جزئي لأشرطة مطاطية  ، لونهما   كدم زارع لحيويته و أحيانا بلون اسود ، يمتعاهما بخصائص فيزيائية مميزة ، مرونة عالية تسمح لهما بالتمدد إلى أقصى حدود

التحمل، تولد  مقاومة شد  توتر عنيدة تختزن طاقة كامنة تتحول فجأة إلى قوة دافعة ميكانيكية. يلتقي الشريطان في قطعة جلدية مستطيلة بثقبين جانبيين ، “الجلدة”، قلب الجهاز النابض، التي تحتضن الحجر المستدير الأملس ، قبل أن تطلق سراحه في لحظة قياسية و قاسية.

هو كائن… يبدو بسيطاً، تحمله يد طفل ببراءة صانع متحمس و مندفع ، لكن وظيفته قد تحول البراءة إلى عنف و اجرام و اتهام في حالات التهور  . و الثابت  انه أداة قساوة على البيئة. حجر صغير ينطلق كرصاصة بقوة فائقة ،  ليصطدم بجسد عصفور يغرد، فيقطع نغماً ويخفي اثر حياة. فالقنص العشوائي باسم اللهو يتحول إلى نزيف صامت في قائمة  التنوع البيولوجي. هده القساوة لا تتوقف  عند الطيور، بل تمتد إلى شغب الأطفال في الأزقة: نافذة جار تتهشم، و مصباح شارع ينطفئ، أو قطط وكلاب تمتص اجسادها  صرخات الألم من حجر طائش. فالجباد  ، في براءته الظاهرة، يحمل تناقضاً قاسياً: إبداع مهارة و حنان  اليد في الصنعة مقابل  قساوة إيذاء اليد في الاستعمال…..

تعدد التنوع و الترتيب في الجودة ….. من التقليدي إلى علامة “البراند”.
 
ليست كل المقاليع متساوية،  فهناك سلم للجودة، يميز  بين الطفل الهاوي و المحترف ، الذي يسعى للفخر بين أقرانه.

فالجباد “العصري” أو المستورد: في قمة هرم الترتيب ، غالباً من الصين أو أوروبا عبر التهريب. يتميز بقبضة بلاستيكية مريحة، ومطاط أسطواني طبي عالي الجهد، وجلدة محكمة. هذا هو ما يقابل جودة سيارة  “المرسيدس” في عالم المقاليع، ولا يمتلكه إلا من لديه إمكانية مادية أو له قريب مهاجر …

و الجباد شبه الاحترافي صناعة مغربية محترفة: يصنعه حرفيون أو شباب محترفون باستخدام مطاط مستورد مثل المطاط الألماني أو الفرنسي وخشب زيتون متقن النحت و يوازي جودة المستورد بل قد يفوقه بمتانة الخشب الطبيعي.

الجباد التقليدي بالمطاط المسطح  للغرف الهوائية للعجلات : يصنع من خشب الأشجار  ، و هو  النوع هو الأكثر انتشاراً في القرى والأحياء الشعبية،  متوسط القوة، لكنه رمز الأصالة و الصنعة اليدوية ، و قد مثل المناولات  اليدوية لكل المبتدئين .
الجباد المؤقت (الطفولي): يصنع من أسلاك الحديد المفتولة على شكل فرع، ويُربط فيه مطاط عادي،  هذا النوع هش ولا يصمد طويلاً، وهو أولى محاولات الأطفال الصغار.

المواد المستعملة والمناطق الشهيرة: بصنعة اليد  بين مناطق المغرب ومدينة أسفي.

تختلف المواد باختلاف الصانع ، فبالنسبة للأطفال ،في الصناعة المنزلية، يعتمدون على المواظبة لتجميع الاجزاء اللازمة . يبدأ البحث عن غصن مناسب من شجرة شائعة بالمنطقة لزيتون او تين ، ثم تنظيفه بالسكين. يبحثون عن قطعة من جلد حذاء قديم، والمطاط من الإطار الداخلي او الغرفة الهوائية من عند مصلح الدراجات بالحي او  “السيكليس ” ، فكل طفل هو “صنايعي” يحاول تفادي عيوب الصنعة مثل ضعف الربط أو تفاوت طول الشريطين المطاطين أو عدم تماثل فرعي “الفركة” .
بالنسبة للمحترفين في الصناعة للبيع: يصبح الأمر أكثر دقة،  ينتقون الخشب بعناية، ويتركونه ليجف حتى لا يتشقق. يشترون المطاط الطبي الجاهز، ويستخدمون جلدا فاخرا من جودة عالية اما الربط فيتم  بعناية كبيرة ، بطريقة هندسية دقيقة لضمان قوة الطرد.
في المناطق المغربية، ينتشر استعمال المقلاع او الجباد  في جميع أنحاء المغرب، لكن المناطق القروية وشبه الحضرية هي الأكثر ارتباطاً به. تشتهر به المناطق الجبلية ، كالأطلس المتوسط والكبير،  والسهول المفتوحة التي تكثر فيها الطيور .

و مدينة أسفي تخص لنفسها من  هذه الثقافة. على الرغم من شهرتها بالبحر والصيد البحري، إلا أن ضواحيها القروية و  احياء الشعبية عرفت عبر الأجيال ثقافة الجباد. كان أطفال أسفي يصنعونه من خشب الزيتون المتوفر بالمنطقة، ويستعملونه بالمناطق المحيطة بالمدينة أو الاراضي  الفلاحية، مستهدفين الطيور الدورية، أما الحرفيون المحليون فيها، وإن لم يشتهروا كصناع محترفين ، إلا أن أطفالهم برعوا في صناعته محليا بأبسط الإمكانيات.

الخرجة الميدانية….. معركة الذكاء بين الصياد والفريسة.

لاكتمال اجواء طقوس الصنعة و الممارسة لا يمكن وصف الجباد  دون وصف الرحلة التي يقوم بها صاحبه. خرجة ميدانية لمناطق الصيد تبدأ منذ الصباح الباكر، حيث الندى لا يزال يغطي الأعشاب،  يخرج الطفل” المبلي” بقنص الطيور  مع أصدقائه، حاملاً جباده وكيساً صغيراً من الحجارة المستديرة الملساء التي يعزلها  بعناية لأنها تصويبها يكون  في مسار مستقيم نحو الطريدة الطائرة.

يتم التوجه إلى الحقول، أو المروج او الأحراش القريبة، أو واد جاف تكثر فيه الطيور. و الانواع  الأكثر رغبة في القنص من طرف الاطفال هي تلك التي تمثل إما تحديا في صيدها او لذيذة  الطعم .

فالقبرة طائر صغير، سريع، وهو هدف دائم بسبب لحمه اللذيذ  وكثرة تواجده بالحقول، اما الحجل فهو الاصعب قنصا  واغلى ثمنا و لذلك  فصيده يعد إنجازا كبيرا..
اليمام  أو الحمام البري ، طيور متوسطة الحجم، أسهل قنصا ، وتوجد بكثرة قرب المنازل والحقول و بالأشجار.
طائر أبو الحناء أو الحناي او سارق الحنا او الطير الجمر او الشحيتي، يستهدف لجمال ألوانه أحياناً، أو لمجرد التحدي.

أما “الفراجة ” فتكتمل مع  الطيور المناورة بحيلها للإفلات من رشقات غادرة لأطفال نزقين
هنا تبدأ المتعة الحقيقية والمهارة و الاحتراف .

هناك طيور اشتهرت بذكائها من بينها :

العقعق الثرثار او “الجحمومية” فهي أكثر الطيور مكرا،  بمجرد رؤيتها طفلا يحمل جبادا ، تبدأ في الزقزقة تحذيرية لباقي الطيور، فهي  لا تقف في مكان واحد، وتختفي فجأة.

الحجل يلجأ إلى التمويه والهرب سيراً على الأقدام بين الأعشاب بدل الطيران، وعندما يضطر  للإقلاع خوفا من صعقة المقلاع  ينطلق بسرعة جنونية في خط مستقيم ثم ينزلق بعيدا لتفادي لقاء مع الحجر.

الغراب: ذكي جدا، ولا يقترب أبدا من مكان إذا شك في وجود خطر به، فهو  يراقب من بعيد ويحلق عاليا .

الدوري أو العصفور او” الزوش” : رغم صغره ، إلا أن ابصاره  حاد، و يهرب عند أول حركة غير طبيعية.

الحسون او “الموقنين” : من الطيور الأرضية ، سريعة الهروب، ذات طيران مستقيم وقوي.و قنصه  بالمقلاع يتطلب دقة عالية وتصويباً مباشراً، وحجر ذو وزن مناسب لاختراق ريشه السميك نسبيا و  لسرعته وحذره .

تنتهي الخرجة عادة إما بعودة الأطفال محملين بطائر أو اثنين فرحة النصر، أو بعودتهم وهم يتبادلون الاتهامات بأن الطائر كان بعيدا أو أن الجباد خذلهم، ليخططوا لخرجة أخرى في اليوم الموالي.

صفعة الفقيه في برد السبعينيات.. درس لم يمحه الزمن.
 
بمجرد عودتي  إلى صورة الجباد، إلا وتقفز إلى ذاكرتي  صورة ذلك الصباح الشتائي سنة لا تنسى، في منتصف عقد السبعينيات. كان البرد قارسا  مجمد للدم في عروق ايدينا ، والسعال يعتصر صدورنا، كنا كطيور صغيرة ننتظر شمساً لا تظهر. كان صديق الطفولة يحمل “الجباد” بين يديه، يقلبه بفخر، يري زملاءه صنعته الجديدة بخشبه الناعم ومطاطه الأسود. كنا متحلقين حوله، والدهشة تملأ عيوننا، لا نرى ولا نسمع إلا صوت المطاط وهو يشد ويطلق. لم نلمح الفقيه، المعلم الذي كانت هيبته تملأ المدرسة، وهو يقترب من الخلف. كان يسير بهدوء، يراقب تجمعنا الطفولي الذي انسانا  الدخول إلى المدرسة ، وفجأة، كانت اليد تمتد كالسهم، لا لتصادر المقلاع، بل لتنزل على قفاي ، لماذا أنا؟ لعلني كنت الأقرب اليه ، أو لعله رأى في عيني طفلاا يستحق التأديب او لصداقته لوالدي في المهنة  … لا أدري . لكن ما زلت أذكر سخونة قفاي في ذاك البرد القارس، صفعة واحدة جمعت برد الجو بحرقة الجلد، جعلتني أرى النجوم في وضح النهار. تدحرجت دموعي دون أن أجرؤ على البكاء و لا اصدر صوتا . كانت تلك الصفعة هي بداية وعيي بأن لكل فعل حساب، وأن السذاجة و الفضول  قد تقود إلى الوجع.

ما بين ألم صفعة الجباد و “كاربيلة” الوالد.. حين علّمني الفضول حدود المسموح.

لكن العلاقة مع موضوع القنص  لم تنته بسلام  عند الجباد. فقبل تلك الصفعة أو بعدها، لا أتذكر تحديدا، وأنا في عمر لا يتجاوز سبع سنوات، كان الفضول يقود خطواتي الصغيرة حيث يجلس الوالد الذي فكك “الكاربيلة” و  كان منهمكاً في تنظيف أجزاءها التي  كانت مبعثرة أمامه  بمعية قارورة زيت على قطعة قماش ، الخشب المصقول،  و الأجزاء المعدنية اللامعة. جلست بجانبه صامتاً استرق النظر ، أراقب يديه وهو ينظف ويلمع، عيناي تتلصان البصر و يداي تناوران  برغبة في لمس احدى القطع الداخلية ، لاكتشاف ماهيتها ن، تسللت يدي الصغيرة ببطء نحو ها. لم تصل إلى هدفها. قبل أن ألمسه، كانت يد الوالد تمتد بقطعة أنبوب مطاطي  مائي كان بقربه ، ليهبط على رجلي بضربة خفيفة لكنها مركزة و حارة. لم تكن قاسية بقدر ما كانت رسالة مؤلمة . أتذكر شعوري بالخجل والوجع يتدافعان، وكيف هربت جرياً، أحك مكان الحر و الالم ، لأبعد نفسي عن مكان خطيئتي الطفولية  . مشيت بعيداً، أنتظر حتى أستعيد عافيتي ويعود تنفسي و نبض قلبي  إلى طبيعته. عدت إلى المنزل وأنا أعرف درساً جديداً، هناك ألعاب للكبار لا تلمس .

ذاكرة لا تموت

هذه الذكريات، تعود من بعيد  كلما رأيت جبادا . فهي  تجمع بين طيش الطفل وصرامة التأديب، بين  فضول و حب الاستكشاف وحدود المسموح. بين صفعة الفقيه المعلم  التي علمتني النظام، وضربة الوالد التي علمتني الخوف المحترم. لا أملك اليوم إلا هذه الذكريات، ليس لدي لا  جبادا ولا كاربيلة، لكني أملك احساسا بسخونة قفاي في برد السبعينيات، وحرقة جلد رجلي  الصغيرة التي  نابت عن يدي التي امتدت لتلمس قطع مجال  قد اضيع واحدة منها .

و يبقى المقلاع أو الجباد أكثر من مجرد أداة، فهو جزء من تراث صناعة تقليدية  شعبية مغربية، وحكاية طفولة تتوارثها الأجيال، تجمع بين البراءة والمهارة، وبين حب المغامرة وندوب الطبيعة التي تفرض علينا اليوم التفكير في ممارسات أكثر استدامة ، و توثيق تراث في طريقه الى الاختفاء.

طفولة الماضي و نضج الحاضر …. بين التقريع و التشريع

فضول الطفولة و النزوع الى اكتشاف الجديد و محاكاة الاقران دون ادراك عاقل قادنا
الى تذوق ما طاب من تقريع و نضج معارفنا قادنا الى معرفة حدود تهورنا  بالاطلاع على تشريع منظم لمجالات حياة رأيناها فيما مضى سهلة المنال لكن حقيقتها اماطت غشاوة اعيننا لترسم لوحة متشابكة النسيج و الالوان تسن ابوابا و فصولا و بنودا لتأطير قنص مارسناه عشوائيا لاهثين وراء ألوان موقنين و تغريداتها الى نزق و حيل طيور علمتها الطبيعة و غريزتها الافلات من الخطر حفاظا على حياتها ، من طلقة “كارابيلة” او حجرة جباد.
و حقيقة الامر ان براءة الطفولة جعلتنا في غفلة لكن من حسن حظنا  اننا قد سبقنا القانون المجرم لفعلنا، أي القانون رقم 29.05 المتعلق بحماية أنواع النباتات والحيوانات البرية ومراقبة الاتجار فيها بالمغرب تم إصداره بموجب الظهير الشريف رقم 1.11.48 الصادر في 17 من جمادى الأولى 1432 الموافق ل 20 مايو 2011، وتم نشره في الجريدة الرسمية عدد 5951 بتاريخ 16 يونيو 2011 و هو يعاقب بشدة على قنص الطيور باستخدام المقلاع  “الجباد” أو “الماري” أو أي وسائل غير قانونية أخرى، ويعتبر ذلك مخالفة بيئية وجريمة صيد غير مشروع حيث يمنع قنص أو حيازة الطيور المحمية مثل الحسون أو الموقنين.
فهنيئا لجيلنا الذي سبق التجريم  القانوني لأفعالنا ما قبل 2011 ، و الا اذا كان تطبيقه بمفعول رجعي لبنوا حولنا سياجا و وضعونا في اقفاص مثلما حجز البعض منا طيورا ، فقط ذنبها الوحيد جمال الوانها او لذة لحمها او عذوبة تغريداتها…

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

مقتنيات خاصة : مصحف ابن البواب… تحفة ذهبية من العصر العباسي