“بين مزمار النفار و مدفع الميناء ..حنين لزمن لن يعود”

137

إعداد سعيدة بويد 

​أيام الزمن الجميل .. عندما كانت القلوب طيبة والرحمة والمودة بين جيران الحي والأحياء المجاورة في شهر رمضان الكريم. بساطة في المشتريات وحاجيات البيت “على قد الحال” بسيطة جداً على حسب ميزانية الجيب إنسان تحت شعار القناعة قبل كل شيء.
​في عهد لا توجد فيه الإلكترونيات أو الإنترنت كان الضوء أو الشمع على حسب مستوى العائلات، البساطة والنية الصادقة بينهم قبل كل شيء.

كانت مائدة الإفطار توجد بعد صلاة العصر .. الحريرة حامضة والتمر والقهوة كحلة مع حليب “بوليسيما” أو “نسلي” في إبريق أبيض من (بروس) وقطع الخبز على شكل طولي مقلية في زيت الزيتون أو البيض وأحلى “شباكية” من عند المرحوم السيد “الحاج احمد” قرب من “كافي فرونس”مزال محله موجوداً يبيع “الشفنج” ويضع طاولات شرب الشاي أمام محله في الصباح الباكر .
​عند وصول توقيت أذان المغرب، كان المدفع يتكلم من ميناء المدينة. صلاة التراويح في رمضان الرجال كبار السن يصلون في المسجد، أما النساء فتصلي التراويح في بيوتهن. نظام في أوقات النوم للذين يستيقظون على “زمير النفار” في السحور، كان يتجول في الدروب والأحياء، يقف أمام كل درب أو وسطه ويطلق مزماراً نحاسياً طويلاً على شكل جعبة ملتصقة بها (زبايا)، أو مزماراً صغيراً نحاسياً.
​كان “النفار” يطوف بشكل جدي وضمير حي حتى يؤدي طيلة شهر رمضان رسالته على أكمل وجه .. بالنسبة للسيد النفار الهدف منها هو “رحمة الوالدين” والدعاء له لا غير، لأن الرجولة مواقف وهو سيدها. كان “النفار” لا يظهر في النهار إلا في نصف رمضان أو نهار العيد؛ كل بيت يخرج له القمح أو الشعير أو النقود على حسب ظروف أصحاب البيوت.
​أول مرة كان الأطفال يشاهدون رجل “النفار” على حقيقته، لأنهم كانوا يخافون منه وقت السحور وهم نائمون، فبعض الأطفال يتخيل أن “النفار” رجل يسرق الأطفال، حتى يظهر في نصف رمضان وعيد الفطر بالنهار. كانت أياماً جميلة، ورائحة الشفنج تفوح من كل منزل ..
أما وجبة العشاء، فكانت تقتصر على ‘طاجين’ أو ‘كميلة’ مع الخبز فقط، بينما كان السحور عبارة عن مخمار بالعسل والزبدة أو زيت الزيتون وأتاي . كانت أكلات رمضانية جميلة بل أروع وأحلى بكونها طبيعية وخالية من المواد الحافظة أما اليوم فكل شيء متوفر لكنه بلا طعم ولا فائدة.
​لقد رحل مع ذلك الزمن الجميل أناس فقدناهم، وفقدنا معهم طيبتهم وأخلاقهم النادرة. لقد جرفنا تيار العولمة والتكنولوجيا وطوفان ‘الآيباد’، لتبقى تلك الذكريات وحدها هي الملاذ الدافئ الذي يحن إليه القلب كلما اشتقنا لتلك الأيام الصافية.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في دين وثراث
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

اسفي تستقبل المقرئ لعيون الكوشي بمسجد بن الخضير