المصطفى الرزرازي
١ مارس ٢٠٢٦. طوكيو
هذا نص خطه الدكتور مصطفى الرزرازي عقب اندلاع الحرب الدائرة رحاها في الشرق الأوسط … فيها يستبيح القلم البياض … لتخطيط بضع شجن قادم من الماضي لتسويد الحاضر .. وفيه أيضا استحضار للمعلم المنجرة ذات كتاب وذات حرب حضارية أولى … لعله نص قابع بين ثنايا القلب الانقلابي …..
أخبارُ الحربِ تُوجِعُني…
لا تمرّ كخبرٍ عابرٍ في نشرة المساء،
بل تتسلّلُ إليّ كريحٍ باردةٍ
تعرفُ الطريقَ إلى قلبي دون استئذان.
تعكّرُ مزاجي،
وتسرقُ من يومي هدوءَه الصغير،
كأنّ الضجيج البعيد
يوقظُ في داخلي صمتًا قديماً لم يندمل.
ما أغربَ أن أتابعَ جراحي
على شاشةِ تلفازٍ أجنبيّ،
يتحدّثُ بلغةٍ لا تعرفُ لغةَ القلب؛
وجوهٌ تتألّم بصمت،
وأصواتٌ تصفُ المأساةَ ببرودٍ مهنيّ،
كأنّ الألمَ حين يُترجم
يفقدُ نصفَ وجعه…
ونصفَ حقيقتِه.
كلُّ عنوانٍ عاجلٍ
يفتحُ أبوابًا أغلقتُها منذ زمن،
ويحرّكُ ما ظننتُ أنّه اندثر:
ذكرياتٍ، خوفًا، وأسئلةً بلا أجوبة.
الحربُ هناك…
لكنّ صداها يسكن هنا،
في صدري،
حيثُ الأشياءُ الدفينةُ لا تموت،
بل تنتظرُ خبراً واحداً
لتعودَ حيّةً من جديد.
أقلبُ أوراقي القديمة،
فتتساقطُ منها مسودّاتُ كتابٍ
للفقيدِ العالِمِ المعلّم
المهدي المنجرة،
«الحرب الحضارية الأولى»،
الذي كان لي شرفُ تجميعه وتنسيقه
قبل أن يرى النور مطبوعًا.
كأنّ الحبرَ لم يجفّ بعد،
وكأنّ الأسئلةَ التي خطّها
ما تزالُ تبحثُ
عمّن يُكملها…
أو عمّن يجرؤُ على الإصغاءِ إليها.
أستعيدُ سنواتٍ رمادية
تعلّمتُ فيها حِرفةَ البحثِ والكتابة،
داخل تفاصيل الزمان،
وعند تخوم الموت،
وفي ظلال القلق الوجودي
الذي لا يمنحُ صاحبه خلاصًا.
ما أقبحها مهنة…
أن تنقّبَ كلَّ يومٍ
في هشاشة المعنى،
وأن تصادقَ الأسئلةَ
أكثرَ مما تصادقُ الناس.
كم تمنّيتُ لو كنتُ نحويًّا،
أو لغويًّا،
أنشغلُ طوالَ النهار
بفهمِ استراحاتِ الحروف العربية،
وانحناءاتِها،
وشموخِ هاماتها،
حين تقفُ الكلماتُ مستقيمةً
دون خوفٍ من التاريخ.