النفّار…حين يمشي رمضان في أزقة آسفي

164

بقلم فؤاد الياجزي

في الهزيع الأخير من ليالي رمضان ، حين يخفُتُ كلُّ شيء وتنام المدينة العتيقة على إيقاع البحر، يشقُّ صوتٌ نفيرٍ نُحاسيٌّ الصّمت، يسبق الهَلاّلَ ويدعم اِبتِهالاتِه قبل كل آذان الفجر، بل حتى مع موعد كل مغرب شمس أيام رمضان….وفي اللّيل حين لا ضجيجَ سوقٍ مُبَكِّر، نفيرٌ طويلٌ يعرفه أهلُ آسفي؛ جيلاً بعد جيل…
يمشي النفّار بين الازقةالضيقة للأحياءكأنه ظلٌّ رمضانيٌّ قديم يحمل في صدره نَفَسَ الحكاية؛ وفي يده آلةُ نفيرٍ نحاسيّةٍ تُوقظ الذّاكرة قبل أن توقظ النائمين…
آسماءٌ بصمت أماسي وليالي رمضان طفولتناو شبابنا؛ السي القصباوي… السي الشقوري الغياط، سي عبقادر. (السودان). سي “خرامز” سي الحاج (كيريميني) ،سي عبقادر. “ستاوتاو”. سي بن حيدة،سي عبد القادر “ولد لكحل”، سي الحاج عبد العزيز نفّار حي ياضة و أشبار….
أسماءٌ لا تُذكر؛ إلّا ويعودُ معها رمضانُ ذاكرتنا الثّرّةكما كان، بسيطاً، دافئاً، متكافلاً، محبوبا …. لم تكن هاته الأسماءُ مجرّد مسحراتيِّين؛ بل حُرّاسُ موعد السّحور، وشهودُ الفجر، وأُمناءَ عادةٍ لا تُكتب في القوانين، بل تُحفظ في القُلوب…
يرتدي النفّار غالباً، وكما عهِدناه؛ جلباباً تقليدياً، يَلُفُّ عنُقَه بوشاحٍ كما يقتضيهِ وَقارُ اللّيل الرّمضانيّ، يمسك نفيراً نحاسياً طويلاً،ينفخ فيه بإيقاعٍ مميّز، لا يختلط بإيقاع نفير و طبول الأعراس، ولا بنداءات الأسواق. إيقاعٌ خاص برمضان فقط…! يعرفه الصّغار قبل الكبار…يبدأجولته قبل الفجربساعتين  في مسار لا يحيد عنه، من الأحياء الجنوبية غالباً، مارّاً ببيوتٍ تعرف خُطاه، كما يعرف هو عَتباتِها. يتوقف أحياناً، يرفع النفير، يملأه نَفَساً، ليرتدّ معه الصّدى من الجدران العتيقة، كأنه دعاءٌ جماعيٌّ للسّحور…
في بعض البيوت، كان يُطلب منه أن ينفخ داخل الدار، ليصل الصوتُ إلى كلِّ رُكنٍ منه، تبرُّكاً بالشّهر الفضيل. وفي طقسٍ شعبيٍّ متوارث، يُصبُّ ماءٌ في النفير ويُسقى للأطفال المتأتئين، رجاءَ أن يحمل لهم الصوتُ شفاءً وبركة. يرافقه الأطفال مرَحاً، يركضون خلفه كأنهم يحرسون الليل معه، بينما يمدّ الكبار أيديهم بما تيسّر من نقود،او حلوى “الشباكية”، أو حبّات تمر… تكافلٌ بسيط، لكنه عميق الدلالة!.
تاريخُ مهمّة النفّار، يمتدّ في المخيال الشعبي، إلى زمن الصّحابيّ بِلال بنِ رَباح؛ أول من نادى للسحور في صدر الإسلام، وفي المغرب، تُروى حكاياتٌ عن بروزها في عهد مراكشَ السّعديّة، مرتبطةً ِباسم لالة عودة السعدية، قبل أن تستقرّ كعادةٍ راسخة في مدنٍ عدّة، منها آسفي، حيث صارت جزءاً من هوية رمضان المحلية…
اليوم، تغيّر المشهد. الهواتفُ الذكية، والمنبّهات الإلكترونية سبقت النفّار إلى غرف النوم. أما في الأحياء الحديثة، فقد َخفَتَ صوته أو غاب. قلّةٌ فقط ما زالت تحمل النفير، كأنها تقاومُ اِنقراضَ طقسٍ بأكمله… بعضهم غيّر المهمّة-المهنة-، وبعضهم اعتزل بصمتٍ، تاركاً وراءه صَدىً لا يزال يتردّدُفي ذاكرتنا وذاكرة من عاشوا زمنه.
النفّار في آسفي ليس مهمّةً أو مهنةً فحسب؛ بل سيرةُ مدينةٍ تمشي على قدمين في ليالي رمضان… فصوتُه إعلانُ سحور بالتّأكيد ، لكنه أيضاً إعلانُ انتماءٍ لطقوس عبادة… كان النفّار بين كل نفخةٍ وأخرى، ينسج خيطاً غيرمرئيٍّ من الأُلفَة بين الجيران،ويذكّر المدينة بأنها، مهماتغيّرت،تحتاج دائماً إلى من يوقظ فيها المعنى، قبل أن يوقظها للفجر.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في أبرز المواضيع
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

أسفي..الوقاية المدنية بأسفي تسلط الضوء على جاهزيتها لمواجهة التحديات البيئية

احتفاءً باليوم العالمي للوقاية المدنية، نظمت القيادة الإقليمية للوقاية المدنية بأسفي يومي …