سوق حد الثوابت الذي فقد ثوابته ..تاريخ ووجوه ..حياة على خاصرة الشياظمة..

48

في بوادي الشياظمة التي أنهكها الجفاف حتى اقتربت من صورة  الفيافي  يقتعد  حد الثوابت مكانه ،يحصي أيامه التاريخية التي عاشها ناسه ورواده لعقود  طويلة ..اليوم هو سوق صغير ..بسيط يقترب من المحو،لكنه مايزال على قيد الحياة ب وحده الذين يضخون فيه شيئا  من أسباب الاستمرار …هذه الورقة الإعلامية كتبها أحد الشباب حديث عهد بالكتابة الصحفية ..ولأهميتها وقدرته وقدرته أيضا على تصوير واستكناه مشاهد وملامح لسوق يوجد على الحدود بين عبدة والشياظمة  ..روبورتاج  بنكهة البدايات …لغة مستعملة فيها كثير من التصوير الذكي لحياة تجمع تجاري لا يكاد يعرفه أهل المنطقة ….

الحارثي عبد الهادي

لما ولجت مدخل السوق كنت أمني النفس أن أجد هذا المكان أحسن مما كان عليه، لكن هيهات هيهات بين الأمس واليوم.

حدّ الثوابت.. السوق الذي فقد ثوابته وقيمته وقامته، كان حينها من أحسن الأسواق في المنطقة، كان يُضرب به المثل في البيع والشراء، كان التجار يأتونه من كل حدب وصوب، يتهافتون ويتسابقون من أجل أخذ مكان داخل السوق، ومن تأخر فلن يظفر ولو بمتر، خاصة يوم التسويقة تاع الدور، أو ما يسمى بالصفية.

زمن الرحابي…

كان لسوق التوابت ترتيب دقيق أو ما يسمى بالرحابي، لكل نوع من التجارة تُسمى بالرحبة، وعند مدخل السوق هناك رحبة الحبوب، كل بائع يصيح بما عنده من حبوب بين الذرة والقمح والفول… كل شيء منظم. كما رحبة الخضرة التي تشتهر بجودة نوعها وقيمتها، حيث كانت تسبق بيوم قبل السوق، وكانت العربات المجرورة والدواب تنقل الخضر من الأماكن المجاورة المعروفة بالولجة، المشهورة بخضرتها العالية الجودة، ومن فواكه المنطقة كالعنب والرمان والهندية.

رحبة القشاشة، وهم بائعو الفواكه الجافة، كانوا يؤثثون جانبًا من السوق نظرًا لكثرتهم، والفراشة وغيرهم من الباعة يفرشون أمتعتهم وسط الشارع.

رحبة البال (اللبسة القديمة) كانوا هم الأكثر إقبالًا على بضاعتهم، ألبسة وأحذية بالية.

والذين يصبغون الصوف، أما ما يعرف بالصبّاغة، كانت النساء يأتين بالصوف لصباغته لصناعة الزرابي والأفرشة والأغطية.

وبائع العسل وزيت أركان والفياش (قشرة ثمرة أركان)، والحدادة، والصياغ الذين يقومون بإصلاح الأواني المنزلية، والحلاق وأصوات المقص الآتية من خارج الخيم تنبهك بوجودهم… والحلايقية، أقل ما تجد ثلاث حلقات. كانت البشاشة والضحك ظاهرة على وجوه المتفرجين، وصياح من الضحك، تلك هي المتنفس الوحيد كل سوق بعد عمل مضنٍ طيلة أيام الأسبوع.

رحبة الدوم الشطابة، ورحبة الدجاج والبيض، كل في وقته ومكانه.

رحبة الماشية، قبل بزوغ الفجر يأتيك صياح الأغنام والماعز، فينطلق وقت البيع والشراء في الماشية حتى طلوع الشمس، حينها تتحول الأنظار إلى رحبة أخرى كرحبة الدجاج والبيض. ذلك الرجل الطاعن في السن الذي يشتري البيض والزبدة البلدية، يحمل محفظة جلدية قديمة تغطي بطنه، وأمامه كومة كبيرة من التبن مختلط بالبيض ويداه مدسمتان.

في وقت محصول وجني الجلبانة فحدّث ولا حرج عن الحركة التجارية غير العادية، عربات مجرورة تأتي من كل حدب وصوب محملة بمحاصيل ما جادت به المنطقة من محاصيل زراعية وفواكه وخضروات، وخاصة الصيفية منها كالدلاح والرمان والعنب والنعناع.

الحوانت مصفّة، الأرزاق متخالفة.

كان للسوق تناسق تام، دكاكين كانت تسمى “دار العمارة” مصممة بشكل دقيق كقصارية في مدينة كبرى، بداخلها سلع من نفس النوع ونفس البضاعة، كما هناك أخرى متنوعة من بقالة وبائعي الملابس، كما اختلط بها بائعو العلف للمواشي والمقاهي وغيره. المهم أن يكون لك محل فأنت حر في التجارة التي تريدها. وكذلك العطارة مصطفون ومرتبون، ورائحة العطرية تفوح من بعيد تجذب الانتباه وتفتح الشهية، رائحة القرفة والزنجبيل والقرنفل والكمون…

الفران والخبز سخون

ذلك الفران التقليدي للخبز، كانت هناك ثلاث أو أربع أفرنة للخبز، رائحة الخبز الساخن تفوح من مداخل الفرن، تلك البناية العجيبة والملتوية القديمة تكاد تسقط في أي لحظة. الخبز مطهي بحطب الرطم، رائحة مزيج بين رائحة الحطب والخميرة البلدية والقمح تجعلك تشعر بالجوع. والطاحونة التقليدية للدقيق بجانب الفرن تكسر هدوء المكان بصوتها المزعج فتخلق توازنًا مع ما تصدره أبواق الباعة وسط السوق. البوق أو مكبر الصوت ذيله في الأرض ورأسه في السماء السابعة. السكان يستيقظون على صوته صباح كل أحد فيتذكرون يوم السوق. أصوات تتعالى من بائع الأدوية والمبيدات الحشرية، وكان بائع الأعشاب يردد: (قرب قرب نعطيك خيط وإبرة باش تداوي الذات ديالك لصليتي على الحبيب صلى الله عليه وسلم…) وغيرها من الجمل المشهورة. وباختلاط الأصوات تبدو لك كأنك تستمتع بمعزوفة سمفونية صوتية، كل شيء في تناغم تام.

الواد وانقسام السوق

ككل فصل شتاء يأتي الواد جارفًا، فينقسم السوق إلى قسمين فنكتشف سوقًا آخر وراء الواد، فلا توجد قنطرة يعبرونها ولا أي وسيلة تساعد الناس على قطعه، فيضطرون إلى البقاء في الضفة الأخرى فيتكون سوق آخر. إنها فرصة للذهاب إلى ذلك المكان والاستمتاع بتلك المياه الجارفة، فتجد حركة اقتصادية وتجارية أخرى نظرًا لصعوبة قطعه إلى الضفة الأخرى التي يتواجد فيها السوق الأسبوعي الأصلي.

الشاي على الحصير

كان للسوق طعم خاص وإحساس لا مثيل له، الاستمتاع بالجلوس في تلك المقاهي على أفرشة الحصير وتستمتع بطعم الشاي على المجمر الفاخر بنكهة النعناع، و”الطايبوهاري”. وعلى الجانب أناس على شكل حلقات مستأنسين هم الآخرين بالشاي الذي يجيدون فيه الدفء، ويغوصون في أحاديث تتعلق بالسوق وأخباره، عن ثمن الخضر وأكياس التبن (البال)، منهم مبتسمون وآخرون علامات الحاجة تظهر جلية على محياهم.

العزلة والمواصلات

بالرغم من قلة المواصلات وانعدام وسائل النقل، إلا أن الحركة دؤوبة. فقط كانت الدواب والحمير والبغال والجمال هي الوسيلة لنقل البضائع، لكن كان لها طعم خاص. وكان كل شيء متوفرًا، والمنطقة تعرف حركة دؤوبة والفلاحة مزدهرة.

من أهم ما ضاع دار الفلاحة التي كانت بجانب السوق، والتي كانت مزودة بالهاتف والكهرباء من أيام الاستعمار الفرنسي، وكان لها دور في مساعدة الفلاحين وتزويدهم بالحبوب وآلات الحرث والنصائح والتتبع وغيره. اليوم أصبحت أطلالًا، غطتها ألسنة الرمال، فدُفنت ودُفنت معها الفلاحة.

معصرة الزيتون القديمة

رائحة الفطور الشهية تنبعث على بعد كيلومترات، تلك المعصرة التقليدية التي توجد على جانب السوق، المعروفة بجودتها وطريقة عصر الزيتون على طريقة الطحن بالجمل، تلك الطريقة الطبيعية. الجمل الذي يدور عكس عقارب الساعة مربوط حول رحى لساعات من أجل طحنة واحدة لاستخراج بعض القنينات من الزيت، عكس ما جاء بعد ذلك من الآلات العصرية السريعة الإنتاج. كانت معصرة الحاج معروفة، يقصدها الجميع لشراء الزيت الأصلي المعروف بجودته العالية.

السبيطار كيف صار؟

المستشفى الوحيد الذي كان في المنطقة يرتاده النساء والرجال والحوامل، ويأتي إليه المرضى من كل ناحية، وخاصة يوم الأربعاء، ما يعرف بالجلبة للأطفال الصغار، فما تسمعه هو صياح الأطفال. لم يعد يرتاده اليوم إلا الكلاب الضالة وحمير السوق التي تجد ضالتها في ظل أشجاره وبين جدرانه.

السوق أطاله التهميش والإهمال والنسيان، فتخربت جدرانه وأُهملت أشجاره وانتهى دوره.

للأسف، ماضي السوق أحسن وأفضل من حاضره. التهميش الذي طاله أمسى معه السوق لا بيع فيه ولا شراء. الكل يشتكي من الإهمال الذي طاله. الطريق المؤدية إليه لا ماء فيها بعد هدم البئر وملئه بالنفايات.

الأزبال المتراكمة في كل مكان، المجزرة أو “الگرنة” لا تستطيع المرور بجانبها عساك الدخول إليها، رائحة مقرفة ومقززة قوية ومزعجة، وبقايا الذبيحة متعفنة. باعة اللحم متفرقون وكذلك مخلفات الدجاج تُترك في نفس المكان، مخلفين وراءهم ركامًا من الأزبال تستقطب الكلاب الضالة.

كل البنايات أصابها ما أصاب السوق من إهمال، أصبحت مهترئة تكاد تسقط في أية لحظة. أما داخل السوق فهناك فوضى تعم كل مكان، ومن هنا يتضح جليًا أن ماضي السوق أفضل وأحسن من حاضره.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في شأن محلي
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

مركز محمد بنسعيد آيت إيدر يعقد جمعه العام الرابع تحت شعار “الوفاء والاستمرارية”

عقد مركز محمد بنسعيد آيت إيدر للأبحاث والدراسات، يوم الأحد 08 فبراير 2026 بمدينة الدار الب…