هي كتابة مهنية حاول فيها كاتب هذا الجنس الصحفي الغوص في تفاصيل وبعض من ملامح شخصية آسفية عرفت عند الكثير بغموضها وإدهاشها حد الأسطرة…عاش فيها الرجل لسنوات …صورة الفقيه …وأستاذ الرياضيات ، والعاشق لرياضة حمل الأثقال تخصيصا…المتصوف العارف بالله…كلام كثير حاول استرجاعه فؤاد اليازجي عبر إعادة رسم شخصية الأستاذ الراحل أحمد باكر ابن حي السقالة الذي هدم وردم… وعلى أنقاضه أطلق ذلك البساط الذي يسمونه اليوم الكورنيش ….
فؤاد اليازجي
في مدينة آسفي، التي أنجبت عبر تاريخها شخصيات فذة في مختلف صنوف المعرفة والفكر و العلم والتصوف، وغيرها ،يظل اسم الأستاذ الراحل سيدي أحمد باگر واحدًا من الأسماء التي يصعب اختزالها في صفة واحدة أو مجال واحد. فقد كان الرجل حالة فكرية وروحية نادرة؛ جمعت بين صرامة العقل الرياضي،وعمق الفقيه،وصفاء المتصوف، وانضباط الرياضي.
وُصف الأستاذ سيدي أحمد باگر،من طرف من عرفوه وعايشوه أو من درسوا على يديه، بأنه نموذج الأستاذ الحقيقي المتخصص في علم الرياضيات. قيل عنه انه تلقّى تكوينه العلمي بألمانيا الشرقية، حيث برز نبوغه في الرياضيات والهندسة والحساب والجبر، ضمن مسار أكسبه مكانة علمية، أقنعت الكثير من اساتذته الذين خبروا نبوغه؛ فعرضوا عليه الاستقرار هناك، تقديرًا لكفاءته و استثمارا لجدارته، غير أن اختيار العودة إلى الوطن؛ حبا له ؛ و خدمة للعلم والتدريس وفاء له أساساً ،….
لم تكن الرياضيات عند الأستاذ باگر مجرد علم حساب أرقام، و حل معادلات، بل بوابة لفهم أعمق لنظام الكون وانسجامه. فكان بوعيه هذا، انه دفعه إلى التعمق في أسئلة وجودية كبرى، قد تكون مبعث جمعه بين البحث العلمي والتأمل الروحي، مما حدا بالأستاذ أن ينفتح على الفكر الديني، بعد أن انفتح وتشبّع من قبل – حسب من تابعوا سيرته الفكرية -، بتأثره في مرحلة من مساره، بأفكار المفكر الليبي الصادق النيهوم، المعروف بجرأته النقدية…
هذا التأثر والاستيلاب لم يكن سوى انبهاراً ودهشة مؤقتة ، بل لعله كان مدخلا لبداية رحلة بحث نقدية مقارَنة ، قادته فيما بعد إلى تأملات عميقة أدت به إلى اسلوب حياة هي أقرب إلى حياة المتصوف الفقيه… فمع إلتزامه بأداء العبادات وتدبر القرآن الكريم وحضوره حلقات الذكر بزاوية الشيخ ابي محمد صالح بداية، ارتقى بعد ذلك إلى مرتبة هي أقرب إلى الفقيه الورع الذي أخد على عاتقه نقل ما تعلمه إلى طلبته من محيط أبناء حيه ، الذين كونوا الجماعة التي إلتزمت بترديد دلائل الخيرات وحفظ ألفية بن مالك، وإنشاد البردة والهمزية، مع التأسي بمناقب سيد الخلق من خلال ما تجود بها الأذكار والإنشاد،وغيرها من مأثور السلف الصالح، فكانت حناجر الطلبة و فقيههم واستاذهم سيدي احمد باگرتصدح بذلك عصر ومغرب كل خميس بزاوية سيدي الجزولي , مما ذاع صيت ما شكل شخصية الاستاذ باگر المتشبعة بالإيمان المؤسس على يقين عقلي، لا على التسليم وحده.فاستخق بذلك صفة الفقيه المجتهد او المتصوف ا الناقد، فقد عُرف عند من عرفوه كونه مجتهدا بمعرفة الفقه المالكي ، إذ لم يتردد في الإفتاء استنادا عليه متى اقتضت الضرورة لطلبته، إذ رشح ان نُقِل عنه انه كان يُفتي بما تمت الفتوى استنادا عليه وعلى ما تيقن من صحته في باقي المذاهب الإسلامية المعتدلة الاخرى، في دليل على انفتاحه على الفقه المقارن، مما كان للاستاذ ثقة في صحة الفتوى لطلبته سواء بمركز الأمير مولاي عبد الله لتكوين المعلمين،- حيث أجاب خلالها حسب بعضهم على أسئلة تهم قضايا تناولت الوقف، والميراث، والمعاملات الماليةو غيرها على سبيل الذكر ، مما جعله حسب قناعات البعض مرجعا موثوق البحث في صحة ما يفتى به، و مصلحًا مجتهدًا أكثر منه ناقلًا للنصوص….
وهكذا ورغم انتمائه لعالم يوحي بالتصوف، لم يكن سيدي احمد باگر مقلدًا أعمى؛ بل داعيا إلى تصوف صحيح، يجمع بين السلوك الروحي والعقل الواعي….
وحيث أن للرشاقة و للبنية البدنية الرياضية التي عُرف بها الاستاذ ما يثير الفضول، فقدكان مردّها إلى إيمانه بأن الجسد أمانة وان المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف. إذ مارس سيدي احمد رياضة كمال الأجسام ورفع الأثقال بانتظام، وجعلها جزءًا من برنامجه الأسبوعي و اليومي. فكان من رواد قاعة المرحوم السي بنعيسى لبداوي، إلى جانب من كانوا معه من أشهر رجال كمال الأجسام باسفي من قامة السي البوصالحي ويي بنعيسى نفسه وكثير من أمثالهم، ومن المواظبين على هذا النوع من الرياضة ممن عرفوا معه بانضباطهم عند ممارستها ،ومن بدا ذلك في قوتهم البدنية، مع ملاحظة فارق حرص استاذنا سيدي احمد على التدريب في صمت وتأمل، وكأن الرياضة عنده امتداد لخلوة روحية آمن بممارستها. وعلى ذكر الخلوة، فقد كانت غالبا سمة تفسر سر صمته وتأملاته خاصة حين يلجأ سواء إلى خلوة سيدي الجزولي،او إلى خلوته الخاصة بجرف الصقالة الذي لم يستطع غيره على التجرؤ لتسلق انحداراته، فقد كان يعتكف، حين يعجز غيره الى الوصول اليها على صعوبة ووعورك مسالكها الصخرية المنحدرة بشكل خطير، فشكّل هذا التحدي جانبا مهما مما استأثر بملاحظات الرأي العام المحلي و ما شكل أكثر الجوانب غموضًا في سبر اسباب نزوله المشوب بالمغامرة إلى خلوة الصقالة المستعصية الغامضة الأسرار، والتي أثيرت حولها روايات نسجتها أحاديث ساكنة حي الصقالة خاصة والأسفيين عموما، وهو ما ضل موضوع سؤال نادرًا ما كان يجيب او يتحدث عنه الاستاذ باگر، وكأنه بذلك قد أحتفظ لنفسه أسرار خلوته هاته وما واكب تجربته الروحية هناك…
. ومع هذا كله فقد كان للأستاذ الفقيه المغامر الصوفي، حضور إنساني لا يُنسى، حسب من عرفوه عن قرب، ففي مظهره، كان الرجل هادئًا، مهيبًا، بوقار خاص، زادها هيبة لحيته المخضبة بالحناء، كما كفيه، التي زادها عمق نظراته الغارقتين في التأمل دائما، و صوته المدفون العميق الذي يسبق الكلام بالتأمل زاد ه ذلك إثارة الملاحظين ففي مجالسه، كان دافئًا، منصتًا، خفيف الظل باعثا على إشعار متحذثيه بسعادة خاصة يتداخل فيها موضوع الجد بفواصل الدعاية والمرح و الطرفة والنكثة الناقدة؛ فكان طيب المعشر مرغوبا فيه،علاوة عن كونه مربّيًا و ففيها واستاذا و صديقا ، مما تشكّلت معه شخصية أنسان بإرث يتجاوز التصنيف.!!
رحل الأستاذ سيدي أحمد باگر، لكنه ترك وراءه إرثًا إنسانيًا وفكريًا متداخلا متداخلا منسجما في شخصية: أستاذ رياضيات
و الفقيه المجتهد، المتصوف الزاهد و المثقف الواعي إلى جانب كونه استاذ الرياضيات ، ثم الرياضي المنضبط والمربٍي الذي أثّر في أجيال
وهو بذلك حسب الكثيرين يعتبر نموذج نادر لرجل جمع بين العقل، والروح، والجسد في زمن ندر فيه هذا التوازن… هكذا كان سيدي احمد الباكر كما عرفه العارفون بشخصه، او كما من استغلق على إدراكهم فهم شخصيته.