النقيب عبد الحق برايس ..حول قانون المحاماة المثير للجدل ..

49

“المشروع ” ينتصرللضبط الإداري على حساب التنظيم الذاتي ..

هنالك تخطيط لإعادة هندسة المهنة بمنطق فوقي وصائي..

تعديلات ومقتضيات تهدد التوازن المؤسساتي داخل منظومة العدالة

ملحوظةهذا الحوار ننشره بالتزامن مع نشره في جريدة الاتحاد الاشتراكي ..

حاوره ..محمد دهنون

ولأن المناسبة شرط ..والنقاش مايزال حاميا حول مشروع قانون المحاماة الذي أثار كثير لغط واحتجاج في مضامينه التي رفضها المحامون بشكل قطعي لايقبل المواربة ولا التراجع..ولأن وزارة العدل ووزيرها الذي يثير نقع الأزمات ويوزع الكلام بدون تحفظ يقتضيه المقام مذ إعتلى هذا المنصب ..ولأن هذه الحكومة تتصرف بمنطق الحزب الأغلبي والأغلبية العددية ولاتقيم وزنا لكل مبادرات المعارضة وآراء مكوناتها ..وتعمل على تمرير القوانين بالطريقة إياها وبالمضامين المراد توطينها في المتن القانوني حتى ولو كانت هنالك مخالفة صريحة للدستور ..ولأنها حكومة “مصرة” على دخول التاريخ الحديث للمغرب كحكومة تغول سياسي وحزبي ..تبقى المناسبة سانحة لحوار مهني يتم فيه تفكيك “طلاسم” أريد لها الاستقرار في قانون المحاماة باسم قواعد قانونية لم تعد مجردة ولا عامة ..بل ستكون آمرة وكفى بحسب تعبيرات رجال المحاماة المغاربة الذين انتفضوا على طول جغرافية المحاكم الوطنية رافضين هذه “الطبخة القانونية “..النقيب عبد الحق برايس الذي نستضيفه في هذا اللقاء الصحفي ، وضع النقاط على الحروف المهنية واستل أهم وأعمق التفاصيل موضوع الخلاف مع الوزارة في تشريح هادئ محبوك لايستهدف “بروباغاندا” ..بقدر تنوير الرأي العام وصناع القرار..

 

يتحدث العديد من رجال الدفاع في المغرب على أن مشروع القانون الخاص بمهنة المحاماة هو ردة تشريعية “.هل لك أن تفصل لنا في هذا الأمر ؟

عندما نتحدث عن “ردة تشريعية” فنحن لا نطلق توصيفا إنشائيا أو سياسيا، بل نستند إلى قراءة دقيقة لمضامين المشروع في ضوء دستور 2011والالتزامات الدولية للمملكة، ولاسيما العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ومبادئ هافانا المنظمة لاستقلالية وحصانة الدفاع.

المشروع، في صيغته الحالية، يضيق من هامش الاستقلالية ويبلقن الحصانة ويضيق على الحرية ويقلص من دور الدفاع في منظومة العدالة.. بل ويتراجع عن مكتسبات راكمها المحامون عبر عقود من النضال المتزن والمؤسساتي. نحن أمام نص يتراجع عن فلسفة الشراكة، ويقوي منطق الوصاية والضبط الإداري على حساب التنظيم الذاتي، ويقيد عددا من الحقوق المهنية التي كانت تشكل جوهر رسالة الدفاع من خلال الحياد عن التنزيل السليم للمقاربة التشاركية والحفاظ على المكتسبات كمبدء دستوري.. بمعنى أننا أيضا أمام انتكاسة دستورية ووأد للمكتسبات.

فالاستقلالية والحصانة والحرية مبادئ كونية ومكتسبات زكتها الإرادة الملكية منذ سنوات بظهير 1993 المنظم لمهنة المحاماة آنذاك.

 

يبدو أن الاحتجاجات التي يقودها المحامون ليست بالاحتجاجات الظرفية بل وراءها مقاربة تتحدث عن الإقصاء المؤسساتي لمهنة هي جزء أصيل من العدالة والقضاء..كيف تفردون هذه الفكرة بالتفصيل فيها.. ؟

أكيد.. فالحركة الاحتجاجية الحالية ليست مرتبطة بمقتضى عابر أو تفصيل تقني، بل تنبع من إحساس عميق داخل الجسم المهني بأن هناك توجسا من المحاماة وتخطيطا لإعادة هندسة المهنة بمنطق فوقي، ضبطي و وصائي دون اعتبار للدورالدستوري للمحامي كشريك أساسي وفاعل في تحقيق العدالة وكسلطة توازن بين  باقي السلط بامتياز.

المحاماة ليست قطاعا مهنيا عاديا، ولا وظيفة خدماتية بل هي رسالة حقوقية كونية ذات بعد دستوري تساهم في ضمان المحاكمة العادلة والولوج المتيسر والمستنير للعدالة. وعندما يتم التعامل معها بمنطق الوصاية والضبط الإداري بتحجيم أدوار مؤسساتها المنتخبة، فإن ذلك يثير مخاوف مشروعة حول مستقبل استقلال وحصانة وحرية الدفاع داخل المنظومة بل يثير مخاوف حول ضمانات الدفاع عن حقوق المواطنين ومستقبل أمنهم القضائي.

 

قالت هيئات المحامين والجمعية إن مشروع القانون صيغ خارج منطق التوافق بعد أكثر من أربعين اجتماعا مع الوزارة. ماهي أهم التراجعات والتفاصيل التي انفرطت من مسودة مشروع القانون والتي يوجد حولها الخلاف اليوم ؟

فعلا.. عرفت مرحلة الإعداد الأولى نقاشات مطولة داخل لجان موضوعاتية مشتركة، وتم التوافق آنذاك على مجموعة من المبادئ، من بينها تدبير الولوج للمهنة وتعزيز الاستقلالية وضمان الحصانة، وتوسيع مجال الاختصاص وتقوية مؤسستي النقباء والمجالس وحماية السر المهني، وضمان مساطر تأديبية عادلة مستقلة ومتوازنة.

غير أننا فوجئنا في النسخة المعروضة–كمشروع– بمقتضيات أُفرغت الترافعات المطولة والمجهودات المبذولة من مضمونها وفحواها وعدلت بشكل جوهري، خاصة فيما يتعلق:

  • بتقليص اختصاصات المؤسسات المهنية.
  • توسيع تدخل السلطة الحكومية في تدبير شؤون المهنة لأكثر من 22 حالة عوض 3 حالات في النص الحالي.
  • تشديد شروط الولوج وعدم إنشاء معهد خاص بمهنة المحاماة إسوة بالمعمول به دوليا.
  • إعادة صياغة بعض مقتضيات التأديب بما يخل بضمانات المحاكمة المهنية العادلة والضغط التشريعي والزمني على المؤسسات قصد الالتفاف على اختصاصاتها وإفساح المجال لمؤسسات أخرى.

كل هذا خلق شعورا مؤلما وإحساسا مدمرا بأن مجهود سنتين من الحوار (أكثر من 40 اجتماعا) قد ذهب سدى وتم الالتفاف عليه وتجاوزه وعدم اعتباره دفعة واحدة.

 

اللجوء لآلية الإضراب لمدة أسبوع فيه تعطيل لمصالح المرتفقين. كيف ستعالج النقابات وهيئات المحامين هذا الطارئ المهني. أو لنقل اختلال ظرفي مفروض؟

أولا ينبغي التوضيح أن ما يقوم به المحامون الآن ليس اضرابا. بل هو توقف عن تقديم الخدمات المهنية لهيئة الدفاع. ويتم تنزيل هذا القرار بحس عال من المسؤولية. والوعي التام بحساسية هذا الموضوع، وبالضرر المحتمل الذي قد يلحق بالمرتفقين، مؤكدين دائما على أن التوقف ليس غاية في حد ذاته، بل وسيلة ضغط اضطرارية ..دفعنا لها دفعا بعد استنفاذ كل قنوات الحوار المؤسساتي.

وفي إطار تدبير المرحلة فقد حرصت الهيئات على استثناء القضايا الاستعجالية المرتبطة بآجال، كما تم التواصل مع موكلينا من المتقاضين والمرتفقين لتوضيح أسباب الاحتجاج ومقاصده الحقيقية مبينين لهم أن هذا الأسلوب النضالي ليس ضد مصالحهم ..بل على العكس من ذلك فهو من صميم الدفاع عنها في المدى المتوسط والبعيد، علما أن الدفاع عن استقلال المهنة وحصانتها هو في النهاية دفاع عن حق المتقاضي في عدالة مستقلة متيسرة ومتوازنة.

 

تحدثتم كمؤسسة للنقباء في العديد من تصريحاتكم الإعلامية على أن هذا المشروع وإن نزل وصودق عليه سيكون مقيدا للاستقلالية وسينزع الحصانة عن المحامي. هل تعتبرون ذلك نوعا من الشطط المؤسساتي تجاه مهنة تاريخية تقدمية الرؤية والمبادئ..؟

بديهي أن نتحفظ على أي نص قد يفتح الباب على مصراعيه أمام التضييق على حرية المحامي في أداء مهامه داخل قاعة المحكمة وخارجها في إطار القانون. معتبرين أن الحصانة المهنية ليست امتيازا شخصيا أو فئويا للمحامي، بل هي ضمانة للمتقاضي حتى يتمكن دفاعه من ممارسة مهامه دون خوف أو ضغط أو ترهيب. وأن أي تقليص لهذه الضمانات أو إخضاعها لسلطة تقديرية واسعة خارج المؤسسات المهنية المنتخبة يشكل مساسا خطيرا بالتوازن المؤسساتي داخل منظومة العدالة.

 

أيضا في خضم النقاشات تحدث رجال الدفاع ونساؤه عن منطق الوصاية الإدارية الذي يفرغ النص من أي نفس ديمقراطي.كيف ذلك ..؟

تظهر الوصاية من خلال توسيع سلطات النيابة العامة والسلطة الحكومية على حساب الاستقلال التنظيمي للهيئات، سواء عبر التدخل في الولوج أو في قرارات النقباء والمجالس، أو في التأديب، أو في تدبير الملفات المهنية.

علما أن المقاربة الديمقراطية تقتضي الثقة في المؤسسات المنتخبة داخل الجسم المهني، لا  التضييق عليها وإحلال وصاية و رقابة إدارية وهيمنتها على هذه المؤسسات وهذا هو جوهر وكنه اعتراضاتنا، لأن الاستقلالية والحرية والحصانة تشكل دعائم رسالة الدفاع التي لا يمكن أن نسمح بتقليصها أو تحجيمها أو القفز عليها.

 

المحاماة لعبت دورا مشهودا في الدفاع عن الدمقرطة ودولة الحق والقانون في المغرب ..الشعبوية والتغول الذي سجله عديد من الملاحظين على وزيرالعدلية والحكومة التي ينتمي إليها. يؤكد بأن مجمل القوانين التي صيغت في عهده وعهدها جرت وخلقت احتجاجات لم تتوقف إلى يومنا هذا ؟

مهنة المحاماة كانت دائما في صلب النقاش العمومي حول الحريات والحقوق، ومن الطبيعي أن تتفاعل بقوة مع أي تشريع ترى فيه مساسا بحقوق وحريات المواطن وضمانات المحاكمة العدالة.

نحن لا ننطلق من موقع الخصومة مع أي مؤسسة، بل من موقع الشريك الدستوري الحريص على تجويد التشريع. غير أن الملاحظ مؤخرا أن عدة قوانين قد أثارت احتجاجات واسعة في قطاعات مختلفة، مما يستدعي وقفة تأمل حقيقية حول منهجية إعداد النصوص وتأهيلها ومدى إشراك الفاعلين الحقيقيين فيها.

 

اليوم تضربون..تواصلون الاحتجاج.. هل الهدف هو إسقاط القانون..وكفى ؟

قطعا لا…هدفنا الأساسي ليس الرفض من أجل الرفض، بل تعديل جوهري يعيد المشروع إلى فلسفة التشاركية، ويضمن استقلال المهنة، بما يعزز حصانة الدفاع ويحترم دور واختصاصات مؤسساتنا المهنية، ويوفر حماية حقيقية لحق الدفاع باعتباره حقا دستوريا كونيا. خدمة لمصلحة العدالة والمتقاضين قبل أي شيء آخر.

 

 

 

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في حوار مع...
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

مختصرات من جهة مراكش- آسفي

مراكش/ احتضنت كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، اليوم الجمعة، ندوة حول…