حفريات في ذاكرة المقاومة بأسفي ..محمد الشعبي .. اتحادي من زمن الرصاص والمعتقلات ..

162

 ..محمد دهنون

لم يكن يعتقد أشد الوطنيين نبوءة أن الفتى ذو القامة القصيرة سيكون له شأو وشأن بين رجالات الحركة الوطنية في أسفي التي قررت مجابهة الاستعمار، ليس فقط بالنضال السياسي ، بل بالسلاح والرصاص ..ما أخذ عنوة لن يسترد إلا عنوة …هكذا كان يفكر جيل من المغاربة في خمسينات القرن الفائت بعد دخول فرنسا لبلاد المغرب الأقصى .. وسي محمد الشعبي ….كان واحدا منهم …

هو فتى قطن في واحد من أحياء أسفي العريقة التي خرجت عديدا من المقاومين والمناضلين الذين جابهوا عسف الاحتلال وواجهوا قمع السلطة بعد الاستقلال ..حي تراب الصينيفي أسفي  كان مشتلا لكل شيء …البروليتاريا والنقابة …كرة القدم و الرياضات المختلفة …ببساطة ……الفابريكات أو معامل تصبير السردين تحتضن العمال والعاملات ..هنالك نبع وكبر الوعي الشقي بالفوارق الاجتماعية ، بإنتاج الثروة ووضعية عمالة لا تستفيد إلا النزر اليسير من تلك الثروة…دار الشباب علال بن عبد الله مدرسة المجتمع المدني وقتئذ تقوم بعملها في التأطير والتكوين وتوعية الأجيال الصاعدة …البحر على خاصرة الحي ينتظر أبناء تراب الصيني وزنقة الرباط والسقالة المأسوف على هدمها  ..هنالك كان سي محمد الشعبي يعيش بين هذه العوالم التي تلتقي وتتقاطع ..هنا العدوة الثانية للمدينة القديمة لأسفي ..فيها خرجت(بتشديد الراء) هذه الأحياء مناضلين ومقاومين التقوا جميعا مع العمل السري والوطني الذي كان يقاد بحرفية وصمت في العدوة الأولى أو المدينة العتيقة التي ضربتها السيول مؤخرا …التاريخ كتب ونسج بين هاتين العدوتين …ودائما كان الشعبي مع الجيل الذي اختار الكفاح المسلح …

في لقاءات مبعثرة جمعتنا لعقود من الزمن التقدمي اليساري ، مع مناضلين من قيمته ووزنه ، كان يصر على تدوين مذكراته وتركها للحاضر الذي نعيشه .. الفكرة نفسها  تولتها  المحترمة حبيبة زوجة المرحوم التي غادرتنا خريف هذه السنة دون استئذان ..بل بدون وداع …ولم تخرج تلك المذكرات إلى الوجود …رحل الشعبي وفي نفسه شيء من  حتى المذكرات  …لكنه أسر  لمناضلين والخلص منهم ..بما فعله ..كان في جلسات خاصة يتكلم طويلا وعميقا ..السيكليس محماد امرابتين رحمه الله  يخالفه في تاريخ واسم ..مناكفة تاريخية تبدو صراعا لا ينتهي ..لكنهم كانوا يفضون بأسرار مقاومة وصراع سياسي لمن يريد أن ينصت ..وبعض ممن تبقى من رجال العمل السري يتابع الجلسات والاجتماعات واللقاءات بعين العارفين والمساهمين الذين عاشوا كل فترات التوترات زمن فرنسا وما بعد الفرنسيس….كان رفيقا لشيخ العرب ..معجبا ب”اختياره الثوري” ، أمر لم يكن يخفيه ولا يخاف من تبعاته ….

الشعبي إذا انتبهت لسحنته وتعمقت في ملامحه وحركاته ، لن تصدق أبدا ما يقال عنه ولا ما فعله..هو هادئ بطبعه ، يتكلم بصوت خفيض لا يكاد يسمع ..لكنه عارف وماسك بكل الخيوط ..بكل تفاصيل العمليات الفدائية ، تواريخها ، منفذوها ، على من وقع التفجير وأين استقرت الرصاصات الفدائية …كان يقول …درنا لي خاصو يدار والسلام …لا يمكن أن ننتظر المفاوضات السياسية لتحرير بلدنا ، بل لابد من ضربات موجعة للمستعمر في مصالحه وفي معمريه ..لكي نستعيد حريتنا كمغاربة ..هذا كان تفكيره .. الذي حمله معه لفيف كبير من معتنقي فكرة السلاح عندما لم يعد  للسياسة معنى سوى القمع ذات مرحلة  ..

سي محمد الشعبي في الاستقلال ولما اشتدت سنوات الرصاص وبدأ القمع الحقيقي للاختيارات الوطنية وانشق جزء من المناضلين عن حزب الاستقلال مؤسسين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية الذي سيصبح الاتحاد الاشتراكي فيما بعد ..لم ينسق وراء الاختيار الذي اعتنق فكرة النضال السلمي ..بل كان ما يزال مقتنعا بتوجهات الاختيار الثوري…القمع لا يفنيه سوى القمع المضاد ..هم يصفون ويعتقلون ويعدمون ونحن نتفرج ..هكذا حكى بعد خروجه من المعتقلات السرية والعلنية …..ما بقي من المقاومين حملة السلاح والمدربين على حرب العصابات وجدوا ضالتهم في  السلاح والصراع المباشر …لا حاجة للتعمق في التفاصيل ..فتاريخنا الجماعي بأخطائنا التي نعتز بها  والتي أتاها المناضلون بصدق وحب لهذا الوطن هو هذا ..البلانكية جزء من تاريخنا التقدمي ………والنقد الذاتي هو تصويب للفكرة وليس مسحها والتخلص منها ككمية مهملة ….

هرب الشعبي وعاد للاختفاء …أجهزة البوليس تلاحق أثره هو الذي اختار الالتحاق بخلية شيخ العرب ..كان كما يحكي.. يختفي في الدبرة شمال أسفي  صعودا إلى سيدي بوزيد وتارة في غابة سيدي مساهل للتدرب على التصويب ورمي الرصاص ..وتارة أخرى بين دواوير طريق حد احرارة حيث قبيلة أولاد زيد الذين واجهوا بطش القيدالية ومخزن القرن 19 زمن عيسى بن عمر …

ومرة عندما يشتد الخناق ملاحقة من البوليس السياسي ..يذوب في فوضى كازابلانكا ..عند الوديع الأسفي وصحبه ..فأبناء أسفي لا يتخلون عن بعضهم خصوصا إذا كانوا رجالا ومناضلين أحرارا..لم تسلب حريته بعد ، وكانت أمه تلك المرأة الكتومة تعرف كيف تلتقيه وكيف تسافر إليه تحت أعين المخبرين الذين سرطوا “العلك” أكثر من مرة …فالمرأة مررت السلاح في القفف وخبأته في منازل تراب الصيني التي عرفت وأخفت الوطني القدير عبد الرحمن اليوسفي سليلهم في المقاومة وجيش التحرير في أسفي وغيرها …حقائق ستردم في ثنايا التاريخ المحلي الذي لم يكتب بعد سوى شذرات يفدلكها بعد متأخري النمو السياسي من مؤرخي الله ينصر من صبح … رحم الله الجميع …

حكى عنه الراحل أحمد البخاري رجل المخابرات إبن حيه وحومته في إحدى حلقاته ..أن الشعبي دوخهم لشهور وأيام ولم يستطيعوا الوصول إليه إلا بالتوصل لمعلومة كانت ثمينة للغاية لدى أجهزة الأمن ..هنالك منزل في حي السوينية يرجع لصهر من العائلة ربما يكون الشعبي اختاره للاختفاء …يواصل البخاري حكيه …لما اعتقلوه وبعد مقاومة شديدة استعمل فيها السلاح والشعبي كان يواجههم لوحده.. أحكموا قبضتهم عليه …المفاجأة… الرجل تحت معطفه مسدسات ورصاص يتمنطق ويتأبط ويخفي في جيبه …لقد عثروا على ماكينة سلاح ورصاص أمام التكستيل أو طوالة السوينية جنوب المدينة العمالية..إنه الشعبي …

الاعتقال لديه مثل عطلة يستريح فيها من العمل السري …زار كل المعتقلات السرية من دار المقري إلى الكوربيس ، إلى درب مولاي الشريف …ثم السجون الرسمية ..بعدما خفت بريق الاختيار الثوري اختار عن طواعية وباقتناع المناضلين الكبار توديع الحياة السرية والعمل المسلح …اختار النضال السلمي والديمقراطي من داخل المؤسسات ..ولعله كان مصيبا في ذلك ….التقى زوجته التي اختارها من بين إحدى الأسر العريقة في أسفي ..تزوج تلك الطالبة التي يكبرها بأكثر من عشرين حولا …وما أثر ذلك الفارق العمري على علاقة عاشا فيها كل شيء ..وولدا الأبناء وعاشا سوية مع الاتحاديين في الحزب والتنظيم المدني …أن تتخلص من فكرة كانت عقيدتك وتلتحق بفكرة على النقيض منها ..تلك مسألة لا يأتيها إلا الكبار والشعبي كان واحدا من هؤلاء الكبار الذين ولدتهم أسفي المناضلة التي تعيش اليوم أحقر أيامها  وأسوئها …هل هي نكاية أم صدفة …التاريخ سينصف  حاضرة المحيط  …حتما سيقع هذا الأمر …

الحاجة حبيبة التي أبنها الاتحاديون بأسفي في ذكرى وطنية عالية الرمزيات ، ذكرى تقديم وثيقة الاستقلال  …لم تترك بعلها ولم تبتعد عن مساره النضالي ..بل ظلت مقتنعة بما يفعل ، رافقته في كل خطوات المصالحة وجبر الضرر الذي قطع فيها المغرب والمغاربة أشواطا غير مسبوقة لدى بني جلدتنا وعقيدتنا وتاريخنا العربي والإفريقي …ولم تكن إلا تلك المناضلة القنوعة التي لا تطلب مناصب ولا مواقع تنظيمية ولا ترتيبا متقدما في لوائح الانتخابات …بل تلتحق بكل المعارك التي خاضها الاتحاديون في أسفي من أجل الدمقرطة والعدالة الاجتماعية والتوزيع العادل للثروات المحلية ….

هل هزمنا الفساد يا رجل …هل سقطت المدينة صريعة اختيارات مصلحية ….هل المناضلون مسؤولون عما يقع لأسفي ….نم قرير العين أنت وزوجتك النبيلة …ما يزال الأصفياء والمخلصون للفكرة الوطنية …ما يزال هنالك أمل …المناضل الذي يعيش بلا أمل … بلا حلم ..سيموت وينتهي …

علمتنا سنون النضال مع هؤلاء الوطنيين ناصعي البياض نضالا وسلوكا  ..أن جذوة التغيير السياسي الهادئ والدفاع عن مصلحة الوطن رغم كل المثبطات …هو الأمل نفسه والحلم نفسه …لا تكترث يا حاج الشعبي  …نحن أولاد نفس الحلم ..ونحن زريعتكم التي تركتم على هذه الأرض الطيبة .

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في أبرز المواضيع
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

رابطة الجمعيات المساندة للمنتخبات المغربية تطالب بمحاسبة المسؤولين عن الأحداث المسيئة للروح الرياضية.

وجهت رابطة الجمعيات المساندة للمنتخبات المغربية والأندية الوطنية مراسلتين رسميتين إلى كل م…