قصة قصيرة : رياح الخريف

55

بقلم محمد زعير

هو الآن مستلق على سريره يُناغِي طفله الذي لم يجاوز شـهــره العاشِرَ، و زوجته الآن منشغلةً بإعداد الشاي في انتظار أن يعود أبناؤهما من المدرسة . البيت يحفه الهدوء ما عدا صوتَ المذياعِ الذي كان يكسر ذلك الصمت ، فقد أَلِفَتْ زوجته أن تتابع برامجه كلما انهمكت في عمل من أعمال البيت ، و كانت تفضله على التلفاز نظرا لمواده الـمـتـنـوعــة و المتميزة ، و لطول مدة بثه في ذلك الوقت خلافا للتلفاز  .

ابتلعت المدارس التلاميذ بعد أن أخذوا بحظ وافر من اللعب في العطلة الصيفية . فقد ودعوها راغمين ، و تكدست بهم الأقسام تكدس السردين في علبها الصفيحية ، يكابدون أولى الأمطار الخريفية الخفيفة أحيانا و المنتظمة أحيانا أخرى ، مرتدين ملابس تستر لكنها لا تغني من تقلب أحوال الطقس  .

الشوارع و الأزقة الآن خالية من أطفال درجوا على اللعب ، كانت كرة القدم تستهويهم ،ـ يتبادلون رفسها ، فترتطم بجدران العمارة و بشابيك البيوت السفلية . لم يكن رفسها يمضي بدون تبعات ، فما أكثر ما كانت الكرة تقتحم بيتا من البيوت من غير استئذان  ، فتعود إليهم على غير الوجه الذي دخلت به ، ذلك أن أمي مينة وقد وهن عظمها و اشتعل رأسها شيبا ، و احدودب منها الظهر ، لم تعد ركبتاها تقويان على حملها إلا بشق النفس ، و لم يكن يروقها أن  يلعب الأطفال أمام بيتها ، فكانت تحتجز الكرة إلى زمن لا يعلمه إلا الله و ساعتها  لا ينفع اعتذار معتذر ،  و لا ما كان الأطفال يقدمونه من خدمات إلى هذه العجوز ،  كَحَمْلِ الخبز إلى الفرن أو جلب ما تحتاجه من البقال .

أمي مينة تفيض رقة عند الحاجة إليهم كأنهم ثمرة رحمها ، لكنها حينما يكون مزاجها على غير هوى الأطفال ـ تشطر الكرة شطرين كبطيخة يتباهى بائع الفواكه باستوائها  ، ثم تقذف بشطريها من النافذ غير آبهة ، و هو أشد ما يكون على أطفال من عجوز جف نبع الخصوبة في رحمها ، فلم تذق طعم الأمومة قط على حد قول منانة ،

أرخت منانة أذنين تراقبان المشهد وقد انهمكت في غسل الأواني . تراءى لها صوت ابنها يطير بلا جناح ، يشق توسله حجب البيوت ، هاتفا بالسيدة العجوز أن يرق قلبها  ، فتعيد له الكرة ،  لكن أنينه صادف في ذلك اليوم من العجوز قلبا موصودا بأقفال من الهموم و المشاكل ، لا تعلم عنها منانة و لا جاراتها إلا ظلالا باهتة لم تترك للأعذار و التبريرات أي منفذ .

البيوت في هذا الحي منطوية على ما لا يمكن البوح به ، و بيت العجوز واحد منها ، ظاهره يخفي ألوانا من المعاناة التي تنوء بها ، و ما كان من عادتها أن تبث شكواها  ، ذلك أن البيوت عورة كما تعتقد أمي مينة ، و ما كان عورة وجب ستره حتى لا يصبح حديث الجارات في خلواتهن .

اشرأبت منانة بعنقها من نافذة المطبخ الصغير، و صاحت بأمي مينة في عتاب :

  • الله أودي فين بغيت الأولاد يلعبو ا ؟ لا تيرانات لا جرادي ، راه العطلة هذي لعفو يا مُولانا !! .

ولم تتأخر أمي مينة في الجواب فقالت في حدة :

  • قولي لهم أن يلعبوا بقرب بيتك ، اللي ولد شي ولد يربيه أنا ماشي حيط قصير .

استيقظ من منانة كبرياؤها ، و انتصبت قامتها ، و تهيأ منها لسانها الذي لم يكن يُفْلِتُ صغيرة و كبيرة ، ليرد العجوز إلى صوابها ، لكنها أحجمت ، و تذكرت أن العجوز كانت دايتها يوم أن صاح ابنها صيحة الحياة ، و لا ضير عليها حتى و إن قرصته في أذنه أو ضربته على مؤخرته كما تفعل مع الأولاد من أبناء الحي حين تمسك بأحدهم ، كانت تفعل ذلك من غير نكير  و لا امتعاض ، إذ سرعان ما يعود إليها حنانها فتخرج من محفظة في سترتها ما يبعث البسمة من جديد في نفوس الأطفال في شراء قَرْصَةٍ أو ضربة جديدة ..

غرق صغيره في نوم عميق بعد أن أخذ حظه من الرضاع ، وضعه برفق في مهده ، و تأمل في وجهه الملائكي ،  و يا لوجهه الملائكي ! فقد كانت البراءة تنضح من وجهه كنبع ثر فياض تُشِعُّ بلورات مائه الرقراق نورا يضيء أفقا لا حد له ، و تَخايل أمي مينة تأخذ الدهليز المفضي إلى باب العمارة جيئةً ثم ذهابًا وهي تحمل في يدها سكينا ، و قبل ذلك تحمل فوق رجليها جسدا مترهلا ، يشكو نفسا لا يكاد يسكن منها أوار انفعالها حتى يثور من جديد  . كانت تتربص في غير كلل . و تَذَكَّرَ  أطفال الحي و هم يلعبون ، يتوسلون ، يراوغون ذهابها و إيابها لا يجدون ملجأ من ملعب أو فضاء يهربون إليه لممارسة رياضتهم ، فالساحة الخضراء الوحيدة التي كانت ملاذا لهم حلت محلها عمارة من الإسمنت ، انتصبت كعلبة صفيح أخفت ما خلفها ، و الشجرات التي كانت تظلل الفضاء و يقعد تحت وارفِ ظلها شيوخٌ يكابدون  انفلات الزمن بلعبة ضاما وكؤوس الشاي ، اجتثت من أصولها ، و غدت أثرا بعد عين ، ولم يعد يَسَعُهم إلا أن يمارسوا براءتهم أمام بيوت العمارة غير آبهين بأمي مينة و لا بسكينها المتربص بكراتهم  .

نظر من الشرفة ، فإذا السماء قد اكفهرت مؤذنة بأمطار الوَسْمِيِّ  ، و ارتداء الأرض ثوب الحياة بعد صمت طويل ، و إذا العلم يرقص شامخا على نغمات رياح الخريف . كانت نجمته الخماسية كلما انثنت بانثناء بساطها الأحمر الذي تداعبه رياح الخريف ، تنقدح منها شرارة لا تترك بيتا من بيوت الحي إلا و سكنت سويداءه ، فتسري في تلك القلوب قشعريرة متدفقة كنهر حانٍ يَغُدُّ الخطى ليملأ ربوع المملكة سنابل كرم و كبرياء تَليدَيْنِ  ، ها هو الآن يُرْجِعُ البصر كرة أخرى إلى صغيره ، فإذا هو الآن في عنفوان رجولته ،  بطلا يبني بساعديه صرح بلاد أصلها ثابت ، وفرعها يتطلع إلى أفق ممتد منساب يعانق زرقة السماء  . و إذَا هو يحملا قلما و بندقية وقلبا تظله شجرة زيتون وارفة ، و إذا هو يحمل على كتفيه أملا رقراقا . و إذا الأب قد امتطى صهوة الفخر حين تُوِّجَ صغيره بوسام لا كالأوسمة.

لايزال المذياع يملأ صوته البيت و قد أوشكت زوجته أمل أن تنتهي من عملها الرتيب , و أوشكت المدرسة أن تلفظ أبناءها في هذا الجو الخريفي ، وفي هذه السماء الملبدة بغيوم حبلى .

لم يمض سوى وقتٍ يسير  حتى زَفَّ  المذياع أن عاهل المغرب الحسن الثاني سيلقي خطابا إلى الأمة . ثم تلته أغاني وطنية . و أُعيد بث الخبر مرارا . نظر إلى أمل فإذا عـــلامـــات الاستغراب على محياها .

و في ذهول قالت :

  • أي يوم نحن ؟
  • السادس عشر من أكتوبر يا عزيزتي !

و أردف مازحا :

  • الخميس سادس عشر أكتوبر من 1975 !

افتر ثغرها عن ابتسامة وقالت في هدوء :

  • خطاب ملكي في هذا اليوم !!! . لقد جرت العادة أن لا يلقي الملك خطابا إلى الأمة إلا في الأعياد الوطنية أو لأمر طارئ ، و لاشك أن ثمة أمرا يشغل بال الملك و يود أن يشرك شعبه فيه .
  • ربما ، على كل حال ، إن غدا لناظر قريب .

عاد الأطفال من المدرسة و لا حديث لهم إلا ما سمعوا الناس يتهامسون به في الشوارع و الطرقات  و الأسواق .

و في المساء ، كانت أعيـنهما كسائر المغاربة مشدودة إلى التلفاز في انتظار خطاب لا  أحد يعرف مناسبته و لا فحواه ، و ما هي إلا لحظات حتى زَفَّ  الملك خبرا ظل صداه يتردد  : ” إننا علينا أن نقوم بمسيرة خضراء من شمال المغرب إلى جنوبه ، و من شرق المغرب إلى غربه ” ، لحظتها أدرك كما أدرك الشعب المغربي التَّوَّاقُ إلى الحرية أن الملك يريد أن ينهي وجود إسبانيا في جنوب المغرب باسترجاع صحرائه المغتصبة ، و أن عَليْهِ أَنْ يُلبِّيَ الواجب بلا  تَرَدُّدٍ ، فما كان من زوجته أمل إلا أن أطلقت زُغْرودَةً وصل صداها إلى بيت الجيران و أنشدَتْ تقول :

أَيَـــــــا وطـــــنَ الأُسودِ فَـــدتْــــك نفسي            وخـــيـــرُ الناسِ من ماتوا فِداكَ

نظر ابنه إلى وجهه في ذهول ، كانت عيناه تبوحان بما في قلبه من استغراب و هو يرى والده الذي يخطر بساقه يريد أن يكون من المتطوعين في مسيرة لا يعلم عاقبتها إلا الله .

فقال في براءة الأطفال :

  • دعني أتطوع مكانك يا والدي ، فأنت مريض و لا تقوى على المسير .
  • وماذا على أبيك أن تُطَهِّرَ عرجته رمالا دنسها جبروت الاستعمار ؟ ، فافتح النافذة  يا بني و دع رياح  الخريف تسقط آخر الأوراق .
تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

أسفي.. من أقصى هؤلاء من الدعم بعد محنة الفيضان