حوار شامل مع الدكتور المصطفى الرزرازي..المتخصص في مجال تدبير الكوارث وإدارة الأزمات …

67

ننشر  هذا الحوار العلمي الذي أجراه زميلنا مع واحد من خبراء الكوارث وتدبير الأزمات .. البروفيسور مصطفى الرزرازي إبن حاضرة المحيط  وأستاذ مبرز يشتغل في جامعات عالمية .. قرر أن يحاور زميلنا محمد دهنون  ..  الدكتور الرزرازي يتكلم مع من يحسن الحوار والنقاش  .. وهو من الأكاديميين والخبراء الذين لا يتكلمون إلا لماما … و يحسن استخراج تفاصيل فكرته المتخصصة والعالمة  .. موقع سفيتوداي لا يبحث عن البوز ونسب المشاهدة .. هو جريدة إلكترونية تسعى للتنوير  والتقويم .. حوار ممتع بين رجلين كل في ميدانه ، قراءة ممتعة..

  • قراءة علمية لما جرى بآسفي.. كيف تتحول الظاهرة المناخية إلى كارثة حضرية..
  • من يقود زمن الكارثة..؟؟
  • حكامة الأزمات بين وضوح القرار وتنسيق المتدخلين وبناء الثقة..
  • منطقة منكوبةأم كارثة موضعية عالية الشدة…معايير التصنيف بين الدقة القانونية والإنصاف الإنساني..
  • إطار سنداي وأجندة 2030 وما بعدهما: الوقاية و الصمودأو كيف نصنع مدنًا أكثر أمانًا..

حاوره ..محمد دهنون

نستضيف في هذا الحوار الدكتور المصطفى الرزرازي..إبن حاضرة آسفي، واحد من الأسماء المرجعية في مجال تدبير الكوارث وإدارة الأزمات في العالم العربي وإفريقيا وآسيا.. هو من الأصوات الأكاديمية البارزة في مجالات إدارة الأزمات، والحدّ من مخاطر الكوارث.. والأمن الإنساني، حيث يجمع في مساره بين البحث العلمي والممارسة الميدانية داخل مؤسسات وطنية ودولية.

اشتغل لسنوات على قضايا مركّبة تتقاطع فيها الكوارث الطبيعية مع الهشاشة المجالية.. وصناعة الهلع العمومي..مقاربات بناء الصمود المجتمعي.. سواء في السياق المغربي أو ضمن مقاربات إقليمية ودولية أوسع.

يُعرف الدكتور الرزرازي بتحليلاته الهادئة التي تنطلق من مقاربة علمية تُعلي من فهم الأسباب البنيوية قبل الاكتفاء بقراءة النتائج الظرفية.. باحث مبرز بـمركز السياسات من أجل الجنوب الجديد، أستاذ إدارة الأزمات بـكلية الحكامة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية بـجامعة محمد السادس متعددة التخصصات التقنية، رئيس اللجنة العلمية لمركز “مصالحة”.. المدير التنفيذي لـلمرصد المغربي حول التطرف والعنف. …كما يرأس لجنة العمل الثانية الخاصة بالمقاتلين الأجانب والعائدين ضمن شبكة “إيميسا” في إطار برنامج مكافحة الإرهاب التابع للاتحاد الأوروبي.

إلى جانب ذلك، يُدرّس الدكتور الرزرازي ويُحاضر بعدد من الجامعات اليابانية والكورية، من بينها سابورو غاكوين وكانساي غاكوين باليابان.. وهانغ يانغ وسوغانغ بكوريا.

الدكتور الرزرازي رفقة السفير السابق للمغرب الدكتور سمير ارورخلال زيارة تضامنية للمناطق المتضررة من كارثة تسونامي فوكوشيما باليابان سنة 2011
الدكتور الرزرازي رفقة السفير السابق للمغرب الدكتور سمير ارورخلال زيارة تضامنية للمناطق المتضررة من كارثة تسونامي فوكوشيما باليابان سنة 2011

 هذا الحوارالذي هو في الحقيقة محاضرة عميقة علمية وعالمة ..يقدّم الدكتور الرزرازي قراءة معمّقة لقضايا تدبير الكوارث.. بما يشمل ما شهدته مدينة آسفي..يتوقّف عند مفاهيم حكامة الأزمات.. الاستعداد وتعزيز الصمود.. مستحضرًا الإطار المرجعي الدولي لإدارة الكوارث.. وفي مقدمته إطار سنداي.. في محاولة لنقل النقاش من ردود الفعل الآنية إلى أفق الإصلاح والاستباق وبناء الثقة في الفعل العمومي…

 

س: بحكم اشتغالك الأكاديمي والمهني في مجال إدارة الأزمات في بعديها الطبيعي والإنساني.. وما راكمته من تجربة بحثية وميدانية في هذا الحقل.. كيف تنظر إلى تطور هذا التخصص في السياق المغربي.. وما الذي يميّز مقاربتك العلمية في الربط بين إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث..؟

 

ج: الحديث عن إدارة الأزمات وتقليل مخاطر الكوارث لا يمكن اختزاله في مقاربات نظرية أو توصيفات أكاديمية مجردة.. بل ينطلق بالضرورة من تراكم خبرة ميدانية مؤطَّرة بالمعرفة العلمية، حيث يلتقي الفهم النظري بواقع التدخل، ويُختبر المفهوم تحت ضغط الزمن والقرار والإنسان. فإدارة الكوارث، بوصفها فرعًا متقدمًا من تخصص إدارة الأزمات، لم تعد حقلًا معرفيًا هامشيًا أو ترفًا أكاديميًا، بل أضحت من صميم قضايا الأمن الإنساني، واستدامة الدولة، واستقرار المجتمعات.

تميّز إدارة الأزمات يكمن في تعاملها مع لحظة الذروة.. تلك اللحظة التي ينهار فيها النسق العادي.. ويصبح القرار آنيًا، والموارد محدودة، والمعلومة ناقصة، والمسؤولية أخلاقية بقدر ما هي تقنية.

أما الحد من مخاطر الكوارث، فينصرف إلى ما قبل الصدمة..أي إلى منطق الاستباق والتخطيط والوقاية، وبناء القدرة على الصمود، سواء على مستوى البنية التحتية، أو التنظيم المؤسساتي، أو الوعي المجتمعي. ومن هنا.. فإن العلاقة بين المجالين ليست علاقة انفصال، بل تكامل ديناميكي بين تدبير الطارئ وبناء الوقاية.

في السياق المغربي، تكتسي هذه المقاربات أهمية مضاعفة.. نظرًا لتزايد الظواهر القصوى (زلازل، فيضانات، جفاف، حرائق)، وتداخلها مع تحولات بنيوية عميقة، مثل التمدن السريع.. وتفاوت التنمية المجالية، والهشاشة الاجتماعية في بعض المناطق. هذه المعطيات تجعل من إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث علماً قابلاً للإسقاط المباشر على الواقع الوطني، لا فقط كأداة تدخل، بل كمنظومة تفكير تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القرار العمومي والمعلومة العلمية.

وعليه، فإن مقاربة هذا التخصص لا تقوم على منطق رد الفعل.. بل على تحليل المخاطر، وتقدير السيناريوهات، وفهم السلوك الإنساني تحت الضغط، وتطوير آليات التنسيق بين الفاعلين المؤسساتيين والمجتمع المدني والقطاع الخاص. إنها مقاربة شاملة، تتقاطع فيها الجغرافيا، والقانون وعلم النفس والحكامة والتواصل، وتستند إلى قناعة أساسية مفادها أن الكارثة ليست حدثًا طبيعيًا صرفًا، بل نتيجة تفاعل بين الخطر الطبيعي والبناء البشري والمؤسساتي.

من هذا المنظور، يصبح الاشتغال على إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث ليس فقط تخصصًا علميًا، بل مسؤولية معرفية وأخلاقية، تستهدف حماية الإنسان، وصون كرامته، وضمان استمرارية الدولة والمجتمع في مواجهة الصدمات، مهما كان مصدرها طبيعيًا أو إنسانيًا.

لقد عمل المغرب خلال العقود الأخيرة على تطوير هياكله المختصة بتدبير الكوارث، حيث جرى تأهيل قطاع الوقاية المدنية، وتعزيز عناية القوات المسلحة الملكية بأدوارها الإنسانية، إضافة إلى الارتقاء بالمصالح الوزارية التابعة لوزارة الداخلية المكلفة بتدبير الكوارث إلى مستوى مديرية، وإحداث مراكز لليقظة والرصد.

غير أن تعقيد المخاطر، وتسارع وتيرتها، وتداخل أبعادها الطبيعية والبشرية والتكنولوجية، يفرض اليوم الانتقال إلى مستوى مؤسسي أكثر تكاملًا ونجاعة.

في هذا السياق، يبدو أن الوقت قد حان لإحداث وكالة وطنية لتدبير الكوارث والحد من مخاطرها، تضم في بنيتها مختلف القطاعات والمتدخلين، وتتوفر على قدرة عالية في الاستجابة السريعة واتخاذ القرار الفوري.

على أن تتمتع هذه الوكالة بصلاحيات واضحة في التدخل العاجل.. وأن تعتمد شبكة تنسيق فعالة مع الفاعلين الجهويين، مع تفويض جزء من سلطة التدخل السريع لهم، بما يضمن استجابة عقلانية، مرنة، ومتكيّفة مع خصوصيات كل مجال ترابي.

س: عاشت مدينة آسفي مؤخرًا على وقع كارثة طبيعية أثارت نقاشًا واسعًا وتباينًا في المواقف على مختلف المستويات، شمل قضايا المسؤولية، والإحساس بالتهميش المجالي، ومطالب تعويض المتضررين، وصولًا إلى الدعوة لإعلان المدينة منطقة منكوبة. انطلاقًا من خبرتك في إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث، كيف تقرأ هذا التفاعل المجتمعي والمؤسساتي مع الحدث؟ وما المعايير العلمية والمؤسساتية التي ينبغي اعتمادها لتدبير مثل هذه الكوارث، بعيدًا عن منطق الارتجال أو التسييس؟

ج: إن ما شهدته آسفي لا يمكن قراءته كحادثة مناخية معزولة، بل كحدث مركّب تتقاطع فيه الطبيعة مع المجال ومع القرار العمومي. فمن منظور علم إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث، نحن أمام كارثة لم تكن طبيعية خالصة، بل نتاج تفاعل بين ظاهرة مناخية قصوى، وبنية عمرانية هشّة، ومستوى جاهزية مؤسسية لم يُصمَّم أصلًا للتعامل مع نمط جديد من المخاطر المتكررة والعنيفة. هذا التداخل هو ما يفسر ليس فقط حجم الخسائر، بل أيضًا سرعة انتقال الحدث من واقعة مناخية إلى قضية مجتمعية وسياسية.

يعكس تفاعل الناس الواسع مع الأحداث أزمة أعمق في التواصل، وليس مجرد رد فعل على الأضرار. عند تكرار الفيضانات أو الأزمات في نفس المنطقة دون حلول جذرية، يشعر السكان بأن الخطر أصبح أمرًا معتادًا، وأن الهشاشة ليست ظرفية بل جزء من البنية. لذلك، يتحول النقاش حول المسؤولية، والتهميش، والتعويض، إلى تعبير عن توتر بين المواطن والفاعل العمومي، ويشعرون أن المجال الحضري لا يتلقى الحماية أو الاستباق الذي يجب أن توفره المؤسسات الوصية.

من حيث طبيعة الحدث، لا يمكن فصل ما جرى في آسفي عن السياق العام لتزايد الظواهر المناخية القصوى المرتبطة بالتغير المناخي. غير أن خطورة هذه الظواهر لا تُقاس بشدتها وحدها، بل بمدى قدرة المدن على امتصاص الصدمة. فمدينة توسعت تاريخيًا بمنطق غير متوازن، وتضم أحياء نشأت خارج تخطيط وقائي صارم، وتعتمد على شبكات تصريف لم تُحدَّث وفق سيناريوهات مناخية جديدة، تكون بالضرورة أكثر عرضة لتحول المطر الغزير من حدث متوقع إلى كارثة مدمّرة.

اللافت في حالة أسفي أن الكارثة تجاوزت بعدها المادي لتكشف أبعادًا متداخلة. فقد برز البعد الإنساني في تضرر السكن وتعطّل سبل العيش، والبعد النفسي في الإحساس الجماعي بفقدان الأمان، والبعد الرمزي في الشعور بالتهميش حين يغيب الاعتراف الصريح بحجم الاختلالات. في المقابل، ظهر البعد المؤسساتي من خلال تعدد الخطابات واختلاف التقديرات، والبعد السياسي عبر الدعوات المتباينة بين تحميل المسؤولية والمطالبة بالتعويض والدعوة إلى إعلان المدينة منطقة منكوبة. هذا التعدد يفسر حدة النقاش، لأنه لم يكن نقاشًا تقنيًا فقط، بل مسّ جوهر الثقة في قدرة الفاعل العمومي على الحماية والاستباق.

على مستوى التدبير، يبرز خلط واضح بين منطق التدخل الاستعجالي، ومنطق التدبير القانوني، ومنطق الوقاية الاستباقية. فقد انصبّ الجهد أساسًا على إنقاذ الأرواح واحتواء الأضرار الآنية، وهو أمر مشروع وضروري، ثم انتقل النقاش سريعًا إلى التعويضات والتصنيفات القانونية، في حين ظل النقاش حول التخطيط والتهيئة والوقاية ضعيف الحضور.

والحال أن الحد من مخاطر الكوارث لا يُقاس بسرعة التدخل بعد وقوعها فقط، بل بمدى تقليص الخسائر قبل حدوثها.

في هذا السياق، يجب أن نتعامل بحذر علمي ومؤسساتي مع الدعوة لإعلان المدينة منطقة منكوبة. فهذه التصنيفات ليست هدفًا بحد ذاتها، بل أداة قانونية تُستخدم وفق معايير دقيقة، ولا ينبغي أن تحل محل السياسات الوقائية التي عادةً ما تكون غائبة أو مؤجلة. الإعلان عن المنطقة كمنكوبة قد ييسر عمليات التعويض والتدخل، لكنه لا يعالج جذور المشكلة البنيوية التي تجعل المنطقة عرضة للتضرر المتكرر.

أما مسألة المسؤولية، فهي أكثر تعقيدًا من البحث عن فاعل واحد. فالكارثة هي حصيلة تراكم قرارات تخطيطية، واختلالات في الصيانة، وثغرات في تطبيق المعايير، وغياب ثقافة مجتمعية للمخاطر. تحويل النقاش إلى منطق الاتهام المتبادل قد يوفّر تنفيسًا ظرفيًا، لكنه لا يبني سياسة عمومية قادرة على تقليص المخاطر مستقبلًا.

في المقابل، يظل التعويض ضرورة إنسانية وأخلاقية لا نقاش حولها، لكنه يفقد معناه إن لم يُدرج ضمن مسار أشمل يهدف إلى ترميم الثقة، وضمان عدم تكرار السيناريو نفسه. فالتعويض الحقيقي لا يقتصر على جبر الضرر، بل يشمل تصحيح المسار.

في هذا الإطار، تكتسي التوجيهات الملكية أهمية مركزية، لأنها تضع المواطن في قلب التدخل العمومي في حالات الكوارث، وتؤكد على الوقوف الفوري إلى جانب المتضررين، وتوفير الدعم اللازم لصون كرامتهم وتأمين شروط العيش اللائق. كما تعكس هذه التوجيهات رؤية لا تكتفي بالاستجابة الآنية، بل تروم إعادة التأهيل المستدام وتعزيز الصمود، من خلال التنسيق بين المتدخلين، وتمكين السلطات الترابية من آليات تنفيذ فعالة، وربط التدخل الاستعجالي بإصلاحات هيكلية طويلة الأمد.

تُبرز هذه الرؤية أن الكوارث ليست فقط لحظات ألم، بل لحظات اختبار لمنظومة القرار، وفرص لإصلاح الاختلالات البنيوية، وتحسين التهيئة المجالية، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز الحكامة الترابية. وفي حالة آسفي، يبدأ التشخيص العلمي بتفكيك السلسلة الوقائية كاملة، من خرائط مسارات المياه داخل النسيج الحضري، إلى نقاط الاختناق في شبكات الصرف، إلى أنظمة الإنذار المبكر، إلى كيفية إدارة القرار والمعلومة زمن الأزمات.

إن غرق الأحياء، وفقدان الأرواح، وطمس أجزاء من الذاكرة العمرانية، لا يمكن التعامل معها كقدر محتوم أو حدث عابر. المطلوب هو الانتقال من تدبير الألم إلى بناء المعرفة، عبر تقييم مستقل بعد الكارثة، وتصحيح الاختلالات، وتدريب الساكنة، وتحديث آليات الاستباق. وحدها هذه المقاربة العلمية والمتكاملة قادرة على تحويل مأساة آسفي من جرح مفتوح إلى نقطة تحول نحو مدينة أكثر أمانًا وصمودًا.

س: أشكرك على التقييم الاستراتيجي الدقيق لطرق التصدي للكوارث، لكن يبدو انك حريص على تجنب تصنيف المدينة كمنطقة منكوبة؟

ج: التحفظ على هذا التوصيف لا ينبع من تقليل خطورة ما حدث، بل من الحرص على الدقة العلمية والمؤسسية. فقياس شدة الكوارث لا يخضع لانطباعات عامة، بل لمقاربات علمية طورت لتفادي التناقض والتضخيم. ولهذا السبب، جرى تطوير أنظمة تصنيف عالمية تعتمد على البيانات، وتقيس شدة الكارثة بناءً على أثرها الفعلي، وليس على وقعها الرمزي أو الإعلامي. هذه الأنظمة تصنف الكوارث على سلم متدرج، يميز بين التأثير الموضعي والتأثير الشامل، ويُستخدم أساسًا لتوحيد الفهم بين صناع القرار وفرق الاستجابة والسكان.

وفقًا لهذا المنطق، لا تتحول الظاهرة الطبيعية تلقائيًا إلى كارثة شاملة. فالفيضان يصبح كارثة حين يتقاطع مع التعرّض والهشاشة والعجز عن الاستجابة. وفي حالة آسفي، رغم الطابع الاستثنائي للتساقطات والخسائر البشرية المؤلمة، ظل التأثير محصورًا في أحياء ودوائر محددة، ولم يصل إلى مستوى الشلل الحضري الشامل أو الانهيار الكامل لوظائف المدينة، وهو ما يجعل توصيف “المدينة المنكوبة” توصيفًا غير دقيق علميًا.

من الناحية القانونية أيضًا، فإن صفة “منطقة منكوبة” في المغرب ليست توصيفًا إنشائيًا، بل وضعًا قانونيًا مضبوطًا بقرار إداري صريح، يحدد المجال الترابي المعني بدقة. إلى حدود الآن، تم اعتماد مقاربة تدخل واستدراك موجهة للأحياء الأكثر تضررًا، تنفيذًا للتوجيهات الملكية، دون إعلان شامل يهم المدينة بأكملها.

بناءً على ذلك، فإن التوصيف الأكثر اتزانًا هو اعتبار ما وقع كارثة فيضانية حضرية موضعية عالية الشدة، لا كارثة شاملة تبرر تصنيف المدينة كلها كمنطقة منكوبة. هذا التوصيف لا ينفي المعاناة، ولا يُضعف مشروعية الدعم والتعويض، لكنه يحافظ على الدقة المفاهيمية، ويجنب الخلط بين الكارثة كحدث، وسوء التدبير كمسار تراكمي.

في النهاية، لا ينبغي أن ينحصر النقاش في التسمية، بل في الدروس المستخلصة. فالكارثة في آسفي هي إنذار حضري واستراتيجي، وفرصة لإعادة طرح سؤال الحكامة وتدبير المخاطر، بعيدًا عن التسييس والتهويل، وبما ينسجم مع منطق الدولة الرشيدة القائم على التشخيص، والمساءلة، والإصلاح، وبناء الصمود.

س: بين المعطى الرباني وسوء التدبير البشري: كيف يفكّر خبراء الكوارث؟

ج: في الأدبيات العلمية، لا يُطرح النقاش بمنطق المفاضلة بين “القضاء والقدر” و”المسؤولية البشرية”، بل بمنطق الفصل المنهجي بين سبب الحدث وسبب الكارثة. فالزلازل والأمطار والسيول معطيات طبيعية لا يملك الإنسان التحكم فيها، وتدخل في باب القدر، غير أن تحوّلها إلى مآسٍ إنسانية واسعة النطاق يكشف، في الغالب، عن اختلالات بشرية ومؤسساتية: توسع عمراني غير منضبط، بنية تصريف ضعيفة، غياب إنذار مبكر، أو ضعف ثقافة الوقاية. من هذا المنظور، لا يُلغي الإيمانُ بالبعد الغيبي ضرورةَ التخطيط، بل إن العلم يعتبر الوقاية والتدبير الرشيد جزءًا من المسؤولية الجماعية في تقليل الخسائر.

على الصعيد الشخصي، أرى أن الكوارث التي يقدرها الله سبحانه وتعالى ليست عبثية، فهي تتجاوز المظاهر الخارجية، وتحمل اختبارًا معقدًا يمسّ الإيمان، العقل، والمسؤولية. جوهرها يكمن في اختبار الثبات على الإيمان بالقدر، أي القدرة على التسليم الواعي الذي لا ينهار أمام الصدمة ولا يتحول إلى سخط أو عبث. هذا التسليم لا يُعتبر خضوعًا سلبيًا، بل هو وسيلة لفهم أعمق لمعنى الاستخلاف في الأرض، حيث يُسأل الإنسان عن ما أصابه وما سيفعله بعدها.

إن الإيمان بالقضاء، في التصور الإسلامي العميق، لا يُعدّ وسيلة لتعطيل العقل أو التهرب من المسؤولية، بل هو قوة داخلية تساعد الإنسان على مواجهة الأحداث دون أن يفقد توازنه الأخلاقي أو وضوحه الفكري. الله الذي يقدر الكوارث هو ذاته الذي وضع قوانين لا تتغير في الكون، وجعل اتخاذ الأسباب من أساسيات العمران، وحمّل الإنسان مسؤولية الفعل والتدبير. لذلك، فإن استعمال القدر كعذر للتقصير يُعدّ انحرافًا في فهم الدين، لأنه يفصل بين الإيمان والعمل، ويجعل الغيب في مواجهة العقل، بدلًا من أن يكون مرشدًا له.

ومن هذا المنظور، يصبح تدبير الكارثة في حد ذاته جزءًا من الاختبار الإلهي. فطريقة تعامل الأفراد والمؤسسات والمجتمع مع الحدث تكشف مستوى نضجهم الأخلاقي وقدرتهم على تحمل الأمانة. هل نكتفي بردود فعل انفعالية وخطابات تبريرية؟ أم نُقبل على تقييم الخلل، وتصحيح المسار، وإنصاف المتضررين، وبناء سياسات وقائية تحمي الأرواح والممتلكات مستقبلًا؟ إن الكارثة هنا لا تُختبر فقط بميزان الخسائر، بل بميزان التعلم منها، وبقدرتنا على تحويل الألم إلى معرفة، والصدمة إلى إصلاح.

وتتجلى فلسفة الاستخلاف بوضوح حين ندرك أن الوقاية ليست مسألة تقنية صرفًا، بل فعلا أخلاقيا عميقا. حماية النفس والعمران، واحترام قوانين الطبيعة، والاستثمار في التخطيط والتهيئة والإنذار المبكر، كلها تجليات لمعنى ديني أصيل يجعل حفظ الحياة مقصدًا مركزيًا. كما أن إعادة النظر في علاقتنا بالطبيعة، لا باعتبارها خصمًا أو مجالًا للاستغلال غير المسؤول، بل أمانة ذات سنن، يمثل شرطًا أساسيًا لفهم الكوارث وتخفيف آثارها.

بهذا المعنى ، تُعدّ الكارثة لحظة كاشفة بامتياز؛ فهي ترفع الغطاء عما كان مستترًا في البنية الاجتماعية والمؤسساتية. إنها تُظهر مستوى التضامن داخل المجتمع، وحدود الثقة بين المواطن والدولة، ودرجة احترام العلم والخبرة، وقدرة الخطاب الأخلاقي على الصمود أمام الواقع. في لحظات الانهيار، لا تُقاس المجتمعات بما تقوله عن نفسها في أوقات الرخاء، بل بما تفعله حين يختل النسق العادي وتصبح القرارات مصيرية.

وفي هذا السياق، يصبح التوازن بين التوكل والتخطيط هو المعيار الحقيقي للتدين الرشيد. فالتوكل يمنح السكينة أمام ما لا نملك تغييره، والتخطيط يعبر عن مسؤوليتنا فيما نملك إصلاحه. الصبر عبادة، نعم، لكن الاستباق أيضًا عبادة؛ والدعاء نور، غير أن تنظيم القرار، واحترام المعرفة، وتنسيق الجهود، والإنصاف في التعويض، وبناء الصمود المجتمعي هي الترجمة العملية لهذا النور في الواقع.

 الكارثة ليست نهاية المعنى، بل بدايته. إنها لحظة اختبار للإنسان في إيمانه، وللمجتمع في تضامنه، وللدولة في قدرتها على الحماية والاستباق، وللعقل في شجاعته على التعلم والمراجعة. فإذا كان وقوع الكارثة قضاءً، فإن تدبيرها أمانة، وإذا كان التسليم قدرًا، فإن الاستخلاف مسؤولية، وبين الاثنين يُقاس صدق الإيمان وعمق الحضارة.

س: تتحدث كثيرًا في مقالاتك  و مداخلاتك  العلمية عن إدارة الأزمات من زاوية الحكامة في تدبير الكوارث، وعن حكامة الأزمات، والاستعداد، وتعزيز الصمود بوصفها مفاهيم مركزية لا مجرد شعارات. هل لك أن تتوسع في هذا الباب؟

ج: عندما نتحدث عن حكامة الأزمات في تدبير الكوارث، فنحن لا نُحيل إلى بُعد شكلي أو إداري، ولا إلى مجرد وجود مؤسسات أو نصوص قانونية، بل إلى نمط عميق من تنظيم السلطة والقرار والمعرفة في لحظة استثنائية يتقلص فيها هامش الخطأ إلى أدنى مستوياته. الحكامة هنا تعني القدرة على إنتاج قرار واضح، شرعي، ومفهوم، في سياق ضغط زمني ومعلوماتي ونفسي، حيث تتقاطع اختصاصات متعددة، وتتعاظم التوقعات المجتمعية، ويكون الفشل مكلفًا بشريًا وسياسيًا وأخلاقيًا.

تظهر الحكامة الحقيقية في الأزمات حين يُطرح السؤال الجوهري: من يقود في لحظة الكارثة؟ هل هي القيادة السياسية، أم التقنية، أم الترابية؟ وكيف تُبنى العلاقة بين هذه المستويات دون صراع أو ازدواجية؟ فغياب وضوح القيادة لا يؤدي فقط إلى بطء التدخل، بل يخلق ارتباكًا في المعلومة، وتضاربًا في التعليمات، وانهيارًا في الثقة. لذلك، فإن حكامة الأزمات تقوم أساسًا على وضوح هرم القرار، وتحديد الأدوار والمسؤوليات مسبقًا، وليس أثناء وقوع الكارثة، وعلى وجود قنوات اتصال فعّالة تسمح بتدفق المعلومة من الميدان إلى مركز القرار وبالعكس، دون تشويش أو احتكار.

أما الاستعداد للكوارث، فهو المفهوم الأكثر تعرضًا لسوء الفهم. كثيرًا ما يُختزل في وجود خطط مكتوبة أو وثائق رسمية، في حين أن الاستعداد الحقيقي هو قدرة عملية ومُجسَّدة.

الاستعداد يعني أن تكون الدولة والجماعات الترابية والمؤسسات قادرة على الانتقال الفوري من الوضع العادي إلى وضع الطوارئ دون ارتجال. ويتحقق ذلك عبر خرائط مخاطر دقيقة تُحدَّث باستمرار، لا تُبنى فقط على معطيات تاريخية، بل على سيناريوهات مستقبلية مرتبطة بتغير المناخ والتحولات الديمغرافية. كما يتحقق عبر تمارين محاكاة منتظمة، واختبارات واقعية لخطط الإخلاء، وتدريب الفاعلين المحليين، من سلطات ووقاية مدنية وصحة وأمن، بل وحتى المجتمع المدني، على أدوارهم في زمن الأزمة.

الاستعداد، في جوهره، هو بناء ذاكرة مؤسساتية للكوارث، بحيث لا تبدأ كل أزمة من نقطة الصفر. وهو أيضًا إدماج البعد النفسي والاجتماعي في الجاهزية، لأن الكارثة ليست فقط انهيار بنى، بل اضطراب سلوكيات وخوف جماعي يحتاج إلى إدارة واعية، خاصة في ما يتعلق بالتواصل العمومي وتفادي الإشاعة والهلع.

أما تعزيز الصمود، فهو المفهوم الأكثر تطورًا في أدبيات الحد من مخاطر الكوارث، والأكثر ارتباطًا بالتحولات التي جاء بها إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث 2015–2030. الصمود لا يعني العودة إلى الوضع السابق، لأن الوضع السابق هو في كثير من الأحيان أصل الهشاشة. الصمود يعني القدرة على الامتصاص، ثم التكيّف، ثم التحول. أي أن المجتمع لا يكتفي بتجاوز الصدمة، بل يخرج منها أكثر وعيًا، وأكثر تنظيمًا، وأقل هشاشة.

في هذا الإطار، يطرح سنداي تحولًا مفاهيميًا عميقًا، حين ينقل التركيز من إدارة الكوارث بعد وقوعها إلى إدارة المخاطر قبل تحققها، ويجعل من تقليص الخسائر البشرية والاقتصادية هدفًا مركزيًا للسياسات العمومية. كما يؤكد على أربعة محاور مترابطة: فهم المخاطر، وتعزيز حكامة المخاطر، والاستثمار في الحد من المخاطر، وتعزيز الاستعداد من أجل استجابة فعّالة وإعادة إعمار أفضل. هذه المحاور لا تُقرأ منفصلة، بل كمنظومة واحدة، حيث لا معنى للاستعداد دون فهم علمي للمخاطر، ولا قيمة للاستثمار دون حكامة، ولا جدوى لإعادة الإعمار إن لم تكن “إعادة إعمار أفضل”.

من هنا، تتضح الأبعاد المتعددة لمقاربة الحد من مخاطر الكوارث (DRR). فهي مقاربة علمية وتقنية تعتمد على البيانات والنماذج، لكنها في الوقت نفسه مقاربة اجتماعية تراعي الفئات الهشة، ومقاربة اقتصادية تُدرج المخاطر في حسابات الاستثمار، ومقاربة مؤسساتية تعيد توزيع الأدوار بين المركز والجهة والمحلي، ومقاربة ثقافية تهدف إلى بناء وعي مجتمعي بالمخاطر، يجعل المواطن فاعلًا في الوقاية لا مجرد متلقٍّ للمساعدة.

كما أن DRR ليست شأنًا قطاعيًا، بل سياسة عمومية عرضانية، تتقاطع مع التهيئة المجالية، والسكن، والنقل، والصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية. فمدينة تُخطَّط دون إدماج مخاطر الفيضانات، أو زلازل، أو حرائق، هي مدينة تُنتج كوارث مؤجلة. واقتصاد لا يحتسب كلفة المخاطر هو اقتصاد هش أمام الصدمات.

في المحصلة، فإن الحديث عن حكامة الأزمات، والاستعداد، وتعزيز الصمود، ليس ترفًا مفاهيميًا ولا خطابًا أكاديميًا معزولًا، بل هو جوهر الانتقال من دولة تُدبّر الكارثة بعد وقوعها، إلى دولة تُدبّر المخاطر قبل تحققها. وهو انتقال يتطلب شجاعة سياسية، واستثمارًا طويل الأمد، وتواضعًا معرفيًا يعترف بأن الكارثة ليست فشل الطبيعة، بل اختبار لقدرة المجتمع والدولة على التعلم، والتنظيم، وحماية الإنسان باعتباره محور الأمن الإنساني والأمن القومي معًا.

س: بحكم عيشك وتنقّلك المستمر بين سياقين مختلفين..هما المغرب واليابان.. وما يتيحه ذلك من معايشة لتجربتين مؤسساتيتين وثقافيتين متمايزتين.. ما هي الإمكانيات التي تفتحها المقارنة بينهما في مجال إدارة الكوارث و الحد منها، بوصفها أداة للتعلّم وبناء المعرفة، لا بوصفها محاكاةً عمياء أو نقلًا ميكانيكيًا للتجارب…؟

ج: تُظهر التجربة اليابانية، بوضوح لافت، أن قوة الدولة في مواجهة الكوارث لا تُقاس بقدرتها على منع الزلازل أو الأعاصير، فهذه خارج نطاق التحكم البشري، بل تُقاس بمدى نضجها المؤسسي في تدبير المخاطر قبل وقوعها وأثناءها وبعدها.

لقد بنت اليابان، عبر عقود طويلة، منظومة متكاملة تقوم على فهم دقيق لطبيعة المخاطر، والاستثمار المستمر في البحث العلمي، والإنذار المبكر، ومعايير بناء صارمة، إلى جانب ترسيخ ثقافة مجتمعية تجعل من الاستعداد جزءًا من الحياة اليومية، لا رد فعل استثنائي. فالمدرسة والجماعة المحلية والمؤسسة الاقتصادية والأسرة، كلها فاعلون في منظومة واحدة تتقاسم الوعي والمسؤولية، وثقافة اليقظة المستمرة.

فالأهم في التجربة اليابانية ليس فقط تراكم الأدوات التقنية، بل تحويل الخطر إلى معرفة اجتماعية مشتركة. فالتمارين الدورية، والمحاكاة، والتواصل الواضح مع السكان تُسهم في تقليص الهلع، وتنظيم السلوك الجماعي في لحظة الأزمة، وتدعيم الثقة بين المواطن والمؤسسات.

هنا لا تُدار الكارثة بعقلية الطوارئ فقط، بل بعقلية الاستمرارية، حيث تُعدّ كل أزمة فرصة لتحسين المعايير، ومراجعة السياسات، وتعلّم الدروس دون إنكار أو تبرير.

يمتلك المغرب عناصر قوة حقيقية لا يجب تجاهلها، من أبرزها القدرة على التعبئة الوطنية والتضامن المجتمعي، وسرعة استجابة الفاعلين في أوقات الشدة، فضلاً عن وجود مؤسسات تدخلت وأظهرت كفاءتها في الاستجابة السريعة. هذا الرصيد الاجتماعي والإنساني يشكل قاعدة قوية لأي سياسة فعالة في إدارة الأزمات. ومع ذلك، يظل التحدي الرئيس في الانتقال من التدخل الظرفي إلى الاستباق البنيوي، أي دمج المخاطر بشكل منهجي في سياسات التعمير، والتخطيط الحضري، والتخطيط الترابي، بدلاً من التعامل معها كحوادث طارئة منفصلة عن مسار التنمية.

ومن هنا، فإن المقارنة بين المغرب واليابان لا ينبغي أن تُفهم كدعوة إلى استنساخ نموذج جاهز، بل كتمرين نقدي يهدف إلى استخلاص الدروس القابلة للتكييف. فالسؤال  الحقيقي هو: كيف نُحوّل مواردنا الثقافية والاجتماعية والمؤسساتية الخاصة إلى رافعة لبناء الوقاية والصمود؟ إن الانتقال المطلوب هو جعل الوقاية سياسة عمومية دائمة، عابرة للقطاعات والدورات السياسية، ومتصلة بالمعرفة العلمية وبمشاركة المواطنين، حتى لا تبقى الكارثة لحظة تعبئة مؤقتة، بل مدخلًا لإعادة بناء العلاقة بين الدولة، والمجتمع، والمجال، على أساس الاستباق والمسؤولية المشتركة.

بهذا المعنى فقط، تصبح المقارنة أداة تعلم لا محاكاة، ومنهج تفكير لا وصفة جاهزة، ومسارًا لتوطين الخبرة بدل استيرادها، بما يسمح لكل مجتمع بأن يبني صموده انطلاقًا من تاريخه وموارده وخصوصياته، لا في تعارض مع التجارب الأخرى، بل في حوارٍ نقدي معها.

س:تؤكد في عدد من تحليلاتك العلمية الأخيرة أننا ندخل مرحلة جديدة تتسم بتزايد المخاطر المركّبة واتساع دوائر عدم اليقين.. كيف يمكن فهم هذا التحول من منظور إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث؟ ..وما الذي يفرضه على طرق التفكير والتخطيط وصنع القرار العمومي..؟

ج: عندما أقول إن السياق العالمي يتسم بتزايد عدم اليقين المنهجي، فإنني لا أقصد مجرد ارتفاع وتيرة الأزمات، بل تحوّلاً بنيويًا في طبيعة المخاطر ذاتها. فنحن لم نعد نعيش في عالم تتعاقب فيه الأخطار بشكل خطي يمكن التنبؤ به نسبيًا، بل في عالم تتقاطع فيه المخاطر وتتشابك، بحيث يولّد كل خطر ظروفًا تُغذّي خطرًا آخر. هذا التحول يجعل من عدم اليقين سمة دائمة للنظام العالمي، لا حالة ظرفية يمكن تجاوزها بالعودة إلى “الوضع الطبيعي”.

في هذا الإطار، لم يعد بالإمكان فهم الأزمات من خلال عامل واحد أو سبب معزول. فَتَغير المناخ، على سبيل المثال، لا ينتج فقط كوارث طبيعية أكثر حدة، بل يتفاعل مع الضغط الديمغرافي، والتوسع الحضري غير المتوازن، والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية، ليحول الظواهر الطبيعية إلى أزمات إنسانية معقدة. كما أن هشاشة بعض البنيات التحتية، وضعف التخطيط المجالي، وتفاوت الولوج إلى الخدمات، تجعل تأثير الصدمة غير متكافئ، فتتعمق الفوارق بدل أن تقتصرعلى الخسائر.

ويزداد هذا التعقيد مع بروز عوامل جديدة مثل التضليل المعلوماتي وسرعة انتشار الإشاعة في لحظات الأزمات، مما يُربك القرار العمومي ويؤثر في سلوك الأفراد والجماعات. ففي سياق المخاطر المركبة، لا تقتصر الأزمة على الحدث ذاته، بل تتعداه إلى طريقة تمثله ذهنيا واجتماعيًا، وكيفية بناء السرديات عنه، ومدى الثقة في المعلومة والمؤسسة. وهنا يتقاطع البعد التقني مع البعد النفسي والسياسي، فتتحول الأزمة إلى اختبار شامل لمنظومة الحكامة، واختبار للجاهزية عند السكان، و لمدى تملكهم لثقافة يقظة.

كما ُيواجه العالم تحديًا بنيويًا آخر يتمثل في اهتزاز أنظمة القياس التقليدية التي اعتمدت عليها العقود الماضية لرصد الظواهر المناخية والزراعية والبيئية. فالتغيرات السريعة في أنماط الطقس، وعدم استقرار المواسم، وزيادة الظواهر الشديدة، أدت إلى تقليل قدرة النماذج الإحصائية والمؤشرات التاريخية على التوقع بدقة.

هذا لا يدل على فشل العلم، بل يبرز حدود الأدوات القديمة أمام واقع جديد، ويستلزم إعادة بناء أنظمة الرصد والتوقع على أسس أكثر مرونة، تأخذ في الاعتبار اللاخطية، والتقلب، وعدم الاستقرار كمكونات أساسية، وليس كاستثناءات مؤقتة.

وفي المقابل، يشهد هذا السياق نفسه دخول التكنولوجيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات الضخمة، والروبوتات، كفاعلين جدد في عمليات التخطيط والتدخل وإدارة الأزمات. فهذه الأدوات لا تقتصر على تحسين سرعة المعالجة أو دقة التنبؤ، بل تُعيد تشكيل طريقة التفكير في المخاطر ذاتها، من خلال بناء سيناريوهات متعددة، ودعم القرار في الزمن الحقيقي، وتوسيع قدرات الاستجابة في البيئات الخطرة. غير أن هذا التحول يطرح بدوره أسئلة أخلاقية وحوكمية حاسمة، تتعلق بالمسؤولية، والشفافية، وحدود الاعتماد على الخوارزميات، ومكانة الإنسان في منظومات القرار.

في ظل هذا الواقع، لم نعد أمام خطر واحد يمكن السيطرة عليه بواسطة تدبير تقني أو خطة طوارئ منفصلة، بل أمام سلاسل مترابطة من التأثيرات تتطلب استراتيجيات مرنة ومتعددة المستويات قابلة للتكيف بسرعة. لذلك، يجب التحول من نهج إدارة الحدثإلى نهج إدارة التعقيد، حيث يصبح التنسيق بين القطاعات، وتبادل البيانات، وتطوير السيناريوهات، والاستثمار في الوقاية عناصر أساسية في صناعة القرار.

وخلاصة القول، إن عالم المخاطر المركّبة وعدم اليقين يفرض علينا إعادة التفكير في مفاهيم الاستعداد، والحوكمة، والصمود، ليس باعتبارها ردود فعل ظرفية، بل كبنى دائمة ترافق السياسات العمومية، وتربط بين العلم، والتخطيط، والثقة المجتمعية. فالقدرة على التكيّف، والتعلم المستمر، والاعتراف بعدم اليقين بدل إنكاره، تصبح في هذا السياق مؤشرات أساسية لقوة الدول والمجتمعات في مواجهة المستقبل، لا عبر السيطرة الكاملة على المخاطر، بل عبر إدارتها بوعي، وتواضع معرفي، ومسؤولية مشتركة.

س: هل توجد عوامل مُمهِّدة لوقوع الكوارث؟ ولماذا لم تعد الآليات التقليدية في تدبيرها كافية في السياق الراهن؟

ج: من منظور علم المخاطر، لا تُعدّ الكارثة حدثًا فجائيًا أو معزولًا، بل نتيجة مسار تراكمي طويل تتقاطع فيه عوامل طبيعية وبشرية ومؤسساتية. فالكوارث لا “تنفجر” من فراغ، وإنما تُمهَّد لها عبر تراكم مخاطر معروفة لم يُتعامل معها في الوقت المناسب.

من بين هذه العوامل.. وجود أخطار طبيعية متكررة ومُوثَّقة، تغيّرات ديموغرافية ترفع من كثافة التعرض، تمدّن سريع وغير متوازن، آثار تغير المناخ التي تزيد من تواتر وحدّة الظواهر القصوى، إضافة إلى تدهور البنيات التحتية أو غياب صيانتها الدورية، واتساع الفجوة بين المعرفة العلمية والسلوك الوقائي لدى الأفراد والجماعات.

هذه العوامل لا “تصنع” الحدث الطبيعي في حد ذاته، لكنها تصنع ما يمكن تسميته قابلية انكسار المجتمع ..أي أن المجتمع يصبح هشًّا أمام الصدمة، غير قادر على امتصاصها أو احتوائها، فتتحول ظاهرة طبيعية متوقعة إلى كارثة واسعة الأثر. وفي هذا المعنى، فإن الكارثة ليست فقط نتاج قوة الخطر، بل نتاج ضعف الاستعداد، وسوء التهيئة، واختلال العلاقة بين الإنسان والمجال والمؤسسة.

أما بخصوص قصور الآليات التقليدية في تدبير الأزمات، فيعود ذلك أساسًا إلى أنها صُمِّمت في سياقات تاريخية كانت الأزمات فيها أبطأ، وأكثر وضوحًا من حيث المصدر، وأقل تشابكًا من حيث الآثار. فقد افترضت هذه الآليات تسلسلًا زمنيًا يسمح بالتشخيص، ثم القرار، ثم التدخل، وافترضت كذلك أن الأزمة قطاعية يمكن احتواؤها داخل مجال إداري أو تقني محدد.

واقع اليوم مختلف جذريًا. فالأزمات المعاصرة سريعة، مركبة، ومتداخلة، وحساسة جدًا للزمن ولجودة المعلومة.. فقد تبدأ أزمة طبيعية، لكنها سرعان ما تتحول إلى أزمة اجتماعية، ثم إعلامية، ثم سياسية، في زمن قياسي. وفي هذا السياق، تصبح الاستجابة البطيئة، أو التدبير القطاعي المجزّأ، أو غياب قيادة موحّدة، أو ضعف التواصل مع السكان، عوامل لا تقل خطورة عن الحدث الأصلي، بل قد تضاعف الخسائر وتعمّق فقدان الثقة.

لذلك، لم يعد كافيًا تحسين أدوات التدخل فقط، بل يتطلب الأمر إعادة تصميم منظومات اتخاذ القرار. ويشمل ذلك اعتماد أنظمة قادرة على اتخاذ قرارات فورية تعتمد على بيانات مباشرة، مع وجود آليات إنذار مبكر، وتمارين محاكاة سابقة، وتنسيق كامل بين الجهات المعنية. التحدي اليوم لا يقتصر على مجرد الاستجابة للأزمات، بل يتطلب إدارة الوقت، والمعلومات، والسلوك الجماعي بصورة متكاملة ومتزامنة.

إن فهم العوامل الأساسية للكوارث يتطلب منَّا تخطي النظرة القدرية أو الحدثية، والاعتراف بأن معظم الكوارث ناتجة عن فشل تراكمي في الاستعداد. بالإضافة إلى ذلك، فإن التغلب على قصور الآليات التقليدية يستدعي التحول من نهج التدخل بعد وقوع الحدث إلى بناء القدرة على الصمود مسبقًا، ومن إدارة حادث واحد إلى إدارة المخاطر كعملية مستدامة، وليست ظرفًا استثنائيًا.

س: تدعو باستمرار إلى ضرورة دمج بعض بنود إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث مع أجندة التنمية المستدامة 2030، بالنظر إلى تقاطع عدد من أهدافهما. ماذا تقصد بهذا الدمج..؟ وما أهميته على مستوى السياسات العمومية والتنفيذ الميداني…؟

ج: عندما أدعو إلى دمج بعض بنود إطار سنداي للحد من مخاطر الكوارث (2015–2030) مع أجندة التنمية المستدامة 2030، فإنني أنطلق من قناعة مفادها أن هذين الإطارين، رغم اختلاف منطلقاتهما، يشتركان في الغاية النهائية نفسها: حماية الإنسان، وضمان استدامة التنمية وتقليص الهشاشة البنيوية للمجتمعات. غير أن المقاربات العملية لا تزال في كثير من السياقات، تُدار بشكل منفصل، وكأن الحد من المخاطر مسار تقني مستقل عن التنمية، أو وكأن التنمية يمكن أن تتحقق بمعزل عن إدارة المخاطر.

في الواقع، هناك تقاطع بنيوي واضح بين أهداف الإطارين. فالحد من الفقر (الهدف 1 من أهداف التنمية المستدامة) لا يمكن فصله عن تقليص قابليّة الفئات الهشة للتأثر بالكوارث، والأمن الغذائي (الهدف 2) مرتبط مباشرة بالمخاطر المناخية والزراعية، والصحة (الهدف 3) تتأثر بشكل مباشر بالكوارث الطبيعية والبيئية، كما أن المدن المستدامة (الهدف 11) لا يمكن تصورها دون إدماج المخاطر في التعمير والتخطيط الحضري.

وبالمثل، فإن أهداف سنداي المتعلقة بفهم المخاطر، وتعزيز الحوكمة، والاستثمار في الوقاية، والاستعداد الفعّال، هي في جوهرها شروط مسبقة لتحقيق تنمية مستدامة حقيقية.

المقصود بالدمج هنا يتجاوز مجرد الجمع اللفظي أو التجميع الشكلي للأهداف في الوثائق الاستراتيجية، ليشمل دمجاً فعلياً للمخاطر ضمن سياسات التنمية الأساسية. بمعنى أن كل مشروع تنموي وكل سياسة قطاعية يجب أن تُصاغ منذ البداية بمفهوم “لا تنمية بدون أمان”، مع طرح سؤال: هل يساهم هذا المشروع في تقليل المخاطر أم يُكرر انتاجها؟ هل يعزز قدرة الصمود أم يزيد من الهشاشة؟ في هذا الإطار، أصبح الحد من مخاطر الكوارث ليس مجرد قطاع مستقل، بل منظور تحليلي يُوجه من خلاله اتخاذ القرارات بشأن الاستثمار والتخطيط.

كما أن هذا الدمج يحمل بعدًا مؤسسيًا وماليًا بالغ الأهمية. ففصل أجندة التنمية عن أجندة المخاطر يؤدي غالبًا إلى هدر الموارد، حيث تُستثمر أموال ضخمة في مشاريع تنموية قد تتضرر أو تُدمَّر بسبب كوارث كان يمكن الاستعداد لها. في المقابل، يتيح الدمج توجيه التمويل نحو مشاريع “ذكية بالمخاطر”، قادرة على الصمود، وتحقق مردودية اجتماعية واقتصادية أعلى على المدى المتوسط والبعيد.

في النهاية، دمج إطار سنداي مع جدول أعمال 2030 يمثل خيارًا سياسيًا وأخلاقيًا أيضًا. يعكس هذا الانتقال من التركيز على التنمية السريعة إلى التنمية الآمنة، ومن تقييم النجاح بناءً على عدد المشاريع المنفذة إلى قياس قدرة المجتمعات على الصمود أمام الصدمات. في عالم مليء بالمخاطر المعقدة وعدم اليقين، لا يمكن تحقيق أهداف التنمية المستدامة إلا من خلال دمج تقليل مخاطر الكوارث في فلسفة التخطيط والحكامة وبناء المستقبل.

ما أريده هو أن نغير نظرتنا لسنداي والتنمية المستدامة، ونتعامل معهما كمسار واحد يجمع بين التنمية القائمة على الوقاية والصمود المبني على العدالة، مع تبني سياسات حكومية تشمل إدارة المخاطر كجزء أساسي من عملية التنمية بدلاً من أن تُعتبر عائقًا.

س: هل ترى أن مقاربات الاستعداد والجاهزية في مجال إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث ينبغي أن تتجاوز أفق 2030..لتُبنى ضمن رؤية استشرافية ممتدة إلى أفق ما بعد 2030.. تأخذ بعين الاعتبار التحولات المناخية والديمغرافية والتكنولوجية والجيوسياسية..؟

ج: نعم، أرى أن مقاربات الاستعداد والجاهزية في مجال إدارة الأزمات والحد من مخاطر الكوارث ينبغي أن تتجاوز أفق 2030، ليس تقليلًا من أهمية هذا الأفق، بل لأن طبيعة التحولات الجارية تجعل الاكتفاء به غير كافٍ لفهم المخاطر القادمة أو الاستعداد لها بشكل مسؤول. فأفق 2030 كان في الأصل، أفقًا تعبويًا وتنظيميًا مهمًا لتوحيد الجهود الدولية، لكنه لم يُصمَّم ليستوعب بالكامل التحولات البنيوية العميقة التي بدأت تتكشف بوتيرة متسارعة خلال العقد الأخير.

التحولات المناخية وحدها تفرض هذا التمديد الزمني.. إذ لم تعد آثار التغير المناخي تُقاس فقط بارتفاع درجات الحرارة أو تكرار الظواهر القصوى، بل بآثار تراكمية طويلة المدى على الموارد المائية، والأمن الغذائي، واستقرار السواحل، وأنماط السكن والهجرة. هذه التحولات لا تتوقف عند 2030، بل ستُعيد تشكيل الجغرافيا الاجتماعية والاقتصادية للدول خلال العقود اللاحقة، ما يفرض التفكير في الجاهزية بوصفها مسارًا مستمرًا لا محطة زمنية نهائية.

إلى جانب ذلك، فإن التحولات الديمغرافية والحضرية-من شيخوخة سكانية في بعض المناطق، إلى تمدّن سريع وغير متوازن في مناطق أخرى-ستؤثر مباشرة في أنماط التعرّض للمخاطر وقدرة المجتمعات على الصمود. فالمدن المستقبلية ستكون أكثر كثافة، وأكثر ترابطًا، لكنها أيضًا أكثر هشاشة إذا لم تُدمج المخاطر في تخطيطها منذ الآن.

هذا يتطلب رؤية تمتد إلى ما بعد 2030، تأخذ بعين الاعتبار كيف سيعيش الناس، وأين، وتحت أي شروط بيئية واجتماعية.

كما أن التحولات التكنولوجية، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، والأنظمة الذاتية، ستُغيّر جذريًا طرق الاستشعار المبكر، واتخاذ القرار، والتدخل أثناء الأزمات. غير أن هذه الأدوات تحمل في الوقت نفسه مخاطر جديدة: أعطالا منهجية، تبعيات تقنية، فجوات رقمية، وأسئلة أخلاقية تتعلق بالمسؤولية والشفافية. لذلك، فإن الجاهزية المستقبلية لا تعني فقط امتلاك التكنولوجيا، بل حوكمة استخدامها ضمن أفق زمني طويل يسمح بالتعلم والتقويم والتصحيح.

ولا يمكن إغفال التحولات الجيوسياسية، حيث أصبح عدم الاستقرار، وتعدد الأزمات المتزامنة، وتسييس الكوارث والموارد، عناصر تؤثر مباشرة في قدرة الدول على التعاون، وتبادل المعلومات، وتنسيق الاستجابات. في عالم يتسم بتزايد التنافس وتراجع الثقة الدولية، تصبح الجاهزية بعد 2030 مسألة سيادة واستقلال استراتيجي بقدر ما هي مسألة تقنية أو إنسانية.

من هذا المنطلق، فإن الدعوة إلى رؤية استشرافية تمتد إلى ما بعد 2030 هي دعوة إلى تغيير منطق التفكير نفسه: من التخطيط للأهداف إلى التخطيط للمرونة، من إدارة المخاطر المعروفة إلى الاستعداد للمجهول، ومن سياسات ردّ الفعل إلى بناء قدرات التكيّف والتعلّم المستمر. فالجاهزية المستقبلية ليست خطة تُغلق بتاريخ معين، بل منظومة حيّة تتطور مع الزمن، وتُقاس بقدرة المجتمعات والدول على الصمود، والتكيّف، واتخاذ القرار الرشيد في عالم يتسم بعدم اليقين الدائم.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في حوار مع...
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

عمال شركة الحليب ” جبال ” في إضراب بسبب اقتطاعات الأجور