الحاج عبد السلام… حين يتكلّم الصمود في باب الشعبة

141

بقلم.. ربيع كوندي 

سكونُه ألهمني أن أنتقي هذه الكلمات:
من د مٍ ولحمٍ، وحِسٍّ وهدوءٍ، وثورةٍ وقيام.
هذه الأرضُ مدينتي، ولم تكن يومًا من حرير…
فلماذا تريدونني من رخام؟
إنني من دمٍ ولحمٍ، وحسٍّ وهدوءٍ، وثورةٍ وقيام.
لا تقل: ليس منها غير حطام…
إن هذا الذي ترى حُطامي،
وسيلٌ وراء سيلٍ سيمضي بآسفي،
وأنا سأبقى مشربئًّا كالأهرام.
أمام محلٍّ ببابٍ خشبيّ،
يعيدنا تصميمه إلى خمسينيات القرن الماضي،
يظهر الصمود جليًّا في صباغةٍ غاب بريقها،
فتحدّثتْ عن تحفةٍ أثريةٍ قاومت أزمنةً عديدة.
في أعلى المحل سقفٌ ينيره مصباحٌ واحد،
ورفوفٌ جانبيةٌ حملت عبءَ سنينٍ وأعوامٍ مضت،
من زمنٍ قلّما يعيده التاريخ…
زمنٍ كان فيه الحاج عبد السلام—الرجل الجالس أمام المحل—
مقصدَ ساكنة باب المسجد من الجهة الجنوبية لباب الشعبة.
باب الشعبة… الاسم الذي عهدناه منذ الصغر،
وقبلنا توارثه آباؤنا منذ القدم:
بابٌ ما قبل الباب، وشُعَبٌ تأتي منها أناسٌ من دواوير مختلفة،
يبيعون سلعهم لساكنة ما بعد الباب،
أو بالأحرى لساكنة ما وراء السور.
سورٌ يسيّج المدينة، يعود بناؤه إلى عهد البرتغاليين،
ومن قبلهم الرومان والفينيقيون…
وربما إلى ما قبل التاريخ،
كأن لا بداية له… وكأنه التاريخ نفسه.
داخل السور—أو بالأحرى بعد الباب—
مدخلٌ إلى عالمٍ مطلٍّ على المحيط،
شهد غزواتٍ وحروبًا، وتعاقبت عليه أزمنةٌ وأزمات،
لكن أحجار سوره تتكلم الصمود والإباء.
وليس السور وحده من يصمد،
كأنّه يعاند ساكنيه في الصمود…
من أمثال الحاج عبد السلام.
الحاج عبد السلام اسمٌ على مسمّى.
بطبيعته يعيش بما تجود به الأيام، يومًا تلو الآخر،
لا طمع ولا تجبّر.
قاوم الأزمات جميعها،
وحقق بصبره توازنًا اقتصاديًا
لا تقيمه القراءات الاقتصادية الحالية،
تعزّزه البركةُ والقناعة.
هو أبٌ لخمسة أبناء، تفاوتت مناصبهم،
لكنهم يحملون دمًا لونه القناعة والصبر.
وهو زوجٌ لامرأةٍ جاوزت عقدها السابع،
غير أنها—على ما يظهر—منارة البيت:
إن تكلمت سكت الجميع،
وإن أشارت بطرفة عينٍ فهمها الحاج عبد السلام،
وكأنها حاضرةٌ في حديثي معه.
كان يتحدث عن زوجته وأبنائه، وعن جيرانه ساكني باب الشعبة،
والدموع تسيل فوق تجاعيد وجهه
وهو يحكي حين غمرت السيول المدينة،
حاملةً معها التاريخ: ذكرياتٍ وأغراضًا،
وكأنها انتظرت طويلًا أمام الباب لتدخل دون استئذان،
لا… بل غزت بغدر.
تجمعت عبر شعاب المدينة،
وأقسمت ألا تغادر إلى المحيط
إلا عبر مجراها الأصلي.
ولا عجب في ذلك؛ فالرجوع إلى الأصل أصل…
وإن كان هذا الرجوع لا نجيبه
إلا بكلمة واحدة:
“إنا لله وإنا إليه راجعون.”
لكن ما أفكر فيه…
أن تلك المياه، تلك السيول الجارفة،
تكلّمت عن الحاج عبد السلام وغيره،
كأنها انتفضت لهؤلاء الناس الذين—لو أغالط نفسي—قلت: نسيهم الزمن.
لا… وألف لا.
لم ينسَهم الزمن،
ولكن تناساهم الحاقدون…
من تربعوا على الكراسي لنهب المال دون حسيبٍ أو رقيب.
نسوا أن الحاج عبد السلام إن سكت عن حقه،
فلن تسكت الأقدار عن التكلم نيابةً عنه.
ويا له من هولٍ حين تتكلم الأقدار!
فتكلمي أيتها الأقدار…
وتكلمي أيتها الأمطار.
سقف بيتي حديد، وركن بيتي حجر،
فاعصفي يا رياح… واهطلي يا مطر.
وتأبينُ إلا أن تظلي جميلة،
ويأبى عليك الحسنُ إلا تفردًا…
فحتى متى تبقين عندي كمكّة؟
حرامٌ على المرء أن يتصيّد.
وما بين أضلاعي من آسفي
خافقٌ يدق…
وكلي في هواك تفردًا

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

مرض خطير وتكاليف باهظة: شاب يناشد المحسنين التدخل

شاب يعاني من داء كرون في مرحلة متقدمة، ويحتاج إلى علاج بيولوجي واستشفاء عاجل. يعجز عن تحمل…