الفقيه الكانوني وقضايا التصوف (5) والأخير

2,188
  • الدكتور عبد الحفيظ نيار

في المحاور السابقة من هذا الموضوع تعرفنا على موقف الفقيه الكانوني من التصوف، حيث قام بتوثيق الأدوار الكبيرة التي قامت بها الزوايا الصوفية بمنطقة أسفي والإشادة بها، وعلى الرغم من ذلك فإن مجموعة من الفقهاء والمفكرين ودعاة الإصلاح في العالم الإسلامي في تلك الفترة وإن لم يتنكروا لتلك الأدوار غير أنهم رأوا ضرورة تجاوز المنهج الصوفي في التربية واعتماد مناهج تربوية أخرى سواء أكانت مستمدة من الدين الإسلامي أم من غيره، وذلك من أجل مواكبة التطورات الحاصلة في العالم وبغية تجاوز المشاكل المعاصرة للأمة والتي من أبرزها إشكالية النهضة، وذلك بعدما حاد الصوفية عن المنهج القويم وأصبح هذا المجال مرتعا للخرافة والجهل وعائقا أمام أية إصلاحات في المجتمع الإسلامي. في حين أن كثيرا من العلماء المغاربة سعوا إلى إصلاح مجال التصوف بدل تجاوزه لاعتبارات عديدة لا يتسع المجال للخوض فيها، مما يجعلنا نتساءل عن موقف الفقيه الكانوني رحمه الله من هذه القضية التي أسالت الكثير من المداد، وهو ما سنتعرض له بإيجاز في هذا المحور.

5/ الرؤية الإصلاحية للتصـــــــــــــــــوف: 

من القضايا التي ناقشها الفقيه الكانوني أثناء حديثه عن الزوايا وتأسيسها، قضية الصلاة في الزوايا المؤسسة قرب المساجد وذلك لأنها تؤدي إلى مخالفة مقاصد الشارع وحكمته ويتضرر منها المجتمع الإسلامي وتؤدي إلى تفريق وحدته قلبا وقالبا. كما أن الفقيه كلما أتيحت له الفرصة للحديث عن بعض من الممارسات المنسوبة للتصوف وهو منها براء إلا وسلط عليها سهام النقد وعالج إشكالاتها بروح المقاصد الشرعية ويرى أن أهل التصوف الحقيقيين أولى بمراعاتها كما نص على ذلك غير واحد من شيوخ الصوفية المحققين، وسأكتفي هنا بإيراد النصوص تباعا لاستيفائها بالمقصود مع التعليق على بعضها.

أ ـــ الصلاة في الزوايا المؤسسة قرب المساجد:

يرى الكانوني أنه “حيث انقطعت التربية بموت الشيخ وصارت الزاوية مفتوحة الأبواب لكل مصل وصارت لها ميزة المساجد فإنها تعتبر فيها أحكام المساجد فإذا أحدث مسجد قرب آخر وأضر بالقديم فإن المحدث يغلق ويهدم كذلك الزاوية القريبة من المسجد فلا يجوز إقامة الصلاة فيها بالإمام الراتب لما يترتب عليها من الضرر بالمسجد والزاوية البعيدة من المسجد بحيث يشق على أهل حومتها مجيئهم للمسجد مشقة شرعية فلا بأس بصلاتهم فيها لأنها كمسجد محدث بعيد من الأول….. وقد رأينا كثيرا من الزوايا زاحمت المساجد بالمناكب وفعلت في تشتيت هذه العصبة الإسلامية مالم يفعله العدو بعدوه…  وحيث جاء تأسيس بعض الزوايا بقرب المساجد منافيا لأصول الشريعة التي تحضنا على تكثير سواد المصلين بالمساجد فلا يلصق ذلك بشيوخ الصوفية لما ذكرناه ولأن غالب الزوايا إنما أسست بعد موتهم فلم يشهدوا ذلك ولم يقروه وعلى تقدير إذا وجد من جوز ذلك وافتات على الشريعة فهو دخيل فيهم متستر باسم التصوف فيضرب بفعله عرض الحاط”.[1]

ب ــ بعض الممارسات المنسوبة للتصوف:

قال عن بعض الزوايا بأسفي ” حيث كان من فقرائها من يأتي أفعالا منكرة كالضرب بالآلة والرقص ونحو ذلك “. وقال عن الطائفة العيساوية :” هذه الطائفة ابتدعت في دين الله البدع ما شوهت محاسن الإسلام وألبسته سخفا من الضلالات حيث إنهم يخرجون يوم موسمهم للشوارع متلطخين بالدماء آكلين للحوم النيئة في هيئة منافية لمبادئ الدين الإسلامي وفضائله السامية[2]“.

ج ــ مادهى الناس في مقامات الصالحين:

قال ” وقد ابتلي الناس من هذه المقامات بداهية عمياء إذ بينما نحن ننظر فيما دهينا به من القبب المزخرفة على أصحابها الحقيقيين والحال أن الفقراء والمساكين مضيعة يموتون جوعا والناس يتباهون في زرفة الحيطان وتنميقها …. إذ ظهر لنا ماهو أدهى وأمر ألا وهو تشييد القبب على مواضع لم يدفن فيها أحد بنيت لمجرد رؤيا منامية أو رغبة منهم في جمع الحطام قبح الله المطامع ولا بارك في أهلها[3]“.

د ــــ عدم المغالاة في الكرامات:

فهو وإن كان يقرها فإن إظهارها واشتهارها قد يصرف أنظار الناس عن أسبابها وأنها ليست الغاية بل الأصل هو الصلاح والتقوى لذا ورد عن الشيوخ النهي عن إظهارها لعامة الناس فيسوق الكانوني لذلك مثالا أثناء ترجمته لأحمد بن إبراهيم البويحياوي القنطرة:” وناهيك منه بالكرامة الشهيرة التي لقب من أجلها بالقنطرة ذلك لما كان ذاهبا في جماعة من إخوانه لزيارة الشيخ بعد وفاته ببني زروال فوجدوا وادي ورغة ممتلئا لا يقدر أحد على عبوره فانبطح المترجم في عرض الوادي وعظمت ذاته حتى صارت كالقنطرة فقطع إصحابه على ظهره ولما بلغوا أخبروا بذلك المولى الطيب بن الشيخ أبي حامد فلامه على ذلك وقال مالنا وللفضول[4] “.

كما أن نسبة كل ما صدر عن الصالحين والأولياء من الكرامات ينسينا أن مخالفة بعض السنن التاريخية يفضي إلى النتيجة نفسها لمساوقتها لها لا أنها السبب الرئيس في الأحداث الواقعة في المجتمع فيعلق على حادثة وقعت للشيخ الجزولي بعد أن ساقها بقوله:  ” وفي عصره كان ظهور الفقيه الشيخ الشهير أبي عبد الله سيدي محمد بن سليمان الجزولي بأسفي فظهر أمره وشاع في الناس فضله فرحل إليه الناس حتى اجتمع لديه ما يزيد على اثني عشر ألفا من المريدين فتشوش من أجله عامل أسفي خوفا على رئاسته فقال له إما أن تخرج عني أو أخرج عنك فقال له الشيخ أبو عبد الله : أنا أخرج عنك ولكنك تخرج منها على أثري فخرج الشيخ من أسفي وبسبب ذلك دعا على أهل أسفي فسئل عنه فقال أربعون عاما فبعده استولى البرتغال على أسفي “، قال رحمه الله ” وظهر أثر دعوة الشيخ أبي عبد الله ولا غرابة في ذلك ففي الصحيح للبخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن كان من وصيته له أن قال له: اتق دعوة المظلوم الحديث فالدعوة المذكورة لا غرابة في كونها أحد الأسباب المؤدية للإختلال والإحتلال والظلم أحد أسباب خراب البلاد وهلاك العباد وقضية الجزولي منها حسبما أسلفناه[5]“.

هـ ــــ ترك العلم والتفرغ للذكر:

حيث يرى أن هذا من الأحوال المؤسفة نسبتها لأهل الصلاح والتنسك فالعلم والتصوف لا ينفكان عن بعضهما البعض كما رأينا في تراجمه لشيوخ هذا الشأن، لكن قد يقع هذا الحال لبعض الأشخاص فلا يعتد به كمثال على الصوفي الناسك، ففي ترجمته لعلي بن رحمة المسناوي العبدي : “الفقيه العلامة المدرس النفاع البركة المواظب على النشر وبث العلم، …. كان قد درس العلم بمدرستهم بمسناوة عبدة وبالزاوية الكانونية والزاوية الكراتية وغيرها، حدثني تلميذه الفقيه القاضي سيدي محمد بن علال الكراتي أنه قرأ عليه بمدرستهم بعبدة وذكر من اجتهاده في التدريس ما شاء الله قال : ثم إنه في آخر أمره قبض بعض الأوراد التي لا تشجع على العلم فانقبض عن نشر العلم،” ويظهر أن الكانوني هو الذي علق بقوله: ” ويا للأسف مع دين متين وفضل مستبين[6] “.

خاتمة :

نستخلص مما سبق أن الفقيه الكانوني رحمه الله كانت له رؤية واضحة بخصوص مجال التصوف وقضاياه، هذا الموضوع الذي تفرقت كلمة المجتمع المغربي حوله في تلك الفترة، خاصة النخبة المثقفة التي جاءت آراؤها متباينة في ظل ظهور تيارات تستلهم النماذج الإصلاحية للمجتمع من هنا وهناك، كان من أبرزها نخبة المتعلمين ممن تتلمذوا في الغرب الأوروبي مع بدايات القرن الماضي، ووصفوا التصوف بأنه أحد أسباب انتشار العادات الشاذة والبِدَع خلال عهود التراجع الحضاري وأنها شر كامل، فكان معظم مفكّري عصر النّهضة من السّلفيّة المحافظة أعداء ألدّاء للصّوفيّة، فقد كان جمال الدّين الأفغاني (1838/1897) شديدا عليهم، إذ وصفهم بأنّهم “الذين يتّخذون الإيمان بالقضاء والقدر سبيلا إلى القعود عن طلب الرّزق” وأصدر فيهم حكمه بأنّ “هؤلاء الذين لا يفهمون من التوكّل إلاّ معنى التواكل يستحبّ إزالتهم وتنقية الهيئة الاجتماعيّة من درنهم؛ لأنّ آراءهم ليست على وفاق مع الدّين[7]“.

لكن عقلاء المجتمع المغربي من علماء ومثقفين كانوا مقتنعين أن الإصلاح يجب أن ينطلق مما يجمع الأمة لا ما يفرقها وذلك بأخذ كل ما هو إيجابي من أي كان وترك كل ما هو سلبي تحت أي مسمى كان، هذا الإتجاه الإصلاحي الذي كان له أعلام بارزين بأسفي ظهر قبل مجيء الكانوني لأسفي، بل ظهر فيها منذ بداية التهديدات الخارجية للمغرب فانبرى العلماء آنذاك في محاولة لإصلاح المجتمع والتصدي لهذه التهديدات، وكان أهم عنصر انصب حوله الحديث في الإصلاح والتجديد هو التدين المغربي سواء في شقه العقدي أو التعليمي، حيث كان من رواد هذا الإتجاه العلامة التهامي محمد بن المدني كنون[8] الفقيه الجهبذ الإمام، العالم العلاّمة الهمام، الكبير الصيت والباع، المخصوص بالحظوة التامة ومزيد الارتفاع، المشارك في كثير من الفنون، وهو شيخ رواد الإصلاح بأسفي وغيرهم كالعلامة البشير بن الحكيم والعلامة عبد الرحمان المطاعي وأحمد الصويري، ولقد تميز هذا التيار بجهوده في تنقية المجال التربوي الصوفي والعودة به إلى أصوله الجنيدية وانتقاد كل البدع التي ألصقت به، قال العلامة البشير بن الحكيم الأسفي واصفا هذا الحال : ”  وقد أخذت كل طائفة في التضرع والسؤال من المولى لما علموا انه سبحانه أحق بالعفو واولى فكانت كل طائفة تلوذ بشيخها ونشر أعلامه على رؤوسها لما تحققوا من أن أولياء الله تعالى مفاتح الخير وابواب الرحمة ونعمة على العباد بكرم من الله ومنة غير انهم تأخروا في الطلب عما هو للاستسقاء سنة ولم يتحرجوا من فعل ذميم ولا بدعة[9]” فنستنتج إذن أن محاولات إصلاح هذا الطريق الصوفي كانت بأسفي قد ابتدأت نهاية القرن التاسع عشر على أيدي ثلة من العلماء المنتسبين للزوايا والطرق الصوفية، ولذا يمكننا اعتبار الفقيه الكانوني حلقة لاستمرار هذا الإتجاه المغربي المتميز، الذي لا يتنكر لحسنات التصوف والصوفية ويقر ويشيد بأفضالها ودورها في منعة الدين والدولة بالمغرب، ويعتبر أصول هذه الطريق مشروعة، وفي نفس الوقت ينتقد ما ليس منها، خاصة ما له علاقة بالخرافات والجهل وسوء الأخلاق، فينقل الكانوني مثلا عن العلامة أحمد الصويري أن : “من حسناته تطهير الزاوية القادرية ــ بأسفي ـــ مما كان بها من الرقص وضرب الآلة واختلاط الرجال بالنساء وله غير ذلك من الآثار المحمودة[10]“.

وقد رأينا فتوى الكانوني في مسألة تكفير المنشدين التي ألجم بها ــ حسب تعبير الأستاذ السعيدي ــــ بعض المتطرفين ممن فارقت الحكمة أقوالهم وأفعالهم ويفسدون بدعوى الإصلاح ويزرعون الفتن وهم لا يشعرون، بل ويخصص الفقيه لمسألة تنظيم زيارة النساء لأضرحة الصالحين واجتناب اختلاطهن بالرجال تقييدا من حوالي أربعين صفحة ــــ أرجوا أن يخرج للوجود قريبا بإذن الله ـــــ نقل منه الدكتور بن شريفة بعض السطور: “وكان يقع في الضريح ما هو معلوم في كثير من أضرحة الصالحين من اختلاط الرجال والنساء مما لا تسمح به الشريعة المطهرة، ولا تقره العقول السليمة سيما في هذه الأزمنة التي قلت فيها الأمانة وهبت فيها رياح الأهواء فعزم حفدة الشيخ المذكور على اتخاذ محل مخصوص للنساء يدخلن إليه من غير مدخل الرجال ويشاهدن الضريح من باب مغلق بشبابيك حديدية ….وكتبت في ذلك هذا التقييد الذي سميته ( دوحة البستان فيما يتعلق بزيارة النسوان)[11]“.

وهكذا أصل لنهاية هذه المداخلة والتي كان القصد من ورائها إثارة هذه النقاط لتنال مزيدا من البحث من طرف المهتمين والمتخصصين، كما أود أن أبدي ملاحظة هنا وهي أن الرواد الأوائل قد انطلقوا في إصلاح المجال التربوي الإصلاح الصوفي من داخله، أما بخصوص فقيهنا الكانوني فلم أتمكن من الوقوف على ما يدل على انتمائه لإحدى الطرق، اللهم الإشارات اليتيمة التي أوردها الأستاذ السعيدي والتي لا تشفي الغليل ــ حسب نظري ـــ لنسبة الكانوني لطريقة معينة، خاصة وأنه كان لا يرى غضاضة في قراءة الأذكار التي وضعها الشيوخ على اختلافها أو اتخاذها وردا يوميا أو التبرك بقراءتها، وذلك لأن أصولهم واحدة وبحسب تعبير القوم ” وكلهم من رسول الله ملتمس”، علما أنه التقى بعضا من شيوخ التصوف ممن كان يؤخذ عنهم في هذا المجال ولم يشر لهذه المسألة ففي مؤلف السعيدي نفسه فقد جاء عن الكانوني “وفي ليلة 22 ربيع الأول عام 1351 أنشدنا الشيخ سيدي فتح الله [12]ما أنشده فقراء طرابلس الغرب ما نصه ” إلى أن قال ” وفي هذه الليلة أجازني المذكور مشافهة[13]” ووقع له مثل ذلك مع العلامة الشيخ عبد الرحمان المطاعي[14]، فما ذكر أنه لازم الأول ملازمة تربية وهو العارف بذلك ولا أذن له في أخذ الأوراد وإنما عبر عن حصيلة اللقاء بأنه أجازه والتعبير نفسه كان حصيلة لقياه بالثاني فقد أدركه وهو على فراش مرضه الذي مات فيه وقد اجازه أيضا في بعض مروياته كما هي عادة جميع العلماء. كما لا يفوتني هنا أن أقول أيضا أن نسبته للسلفية إطلاقا هكذا يحتاج لإعادة ضبط أكثر بحسب ما أصبح عليه مفهوم هذا المصطلح اليوم، وأيضا في ظل التداخلات التي أصبحت عليها المفاهيم والمصطلحات.

للاطلاع على الأجزاء السابقة

الجزء 1      الجزء 2        الجزء 3           الجزء 4

 

[1] الجواهر ص28.

[2]  نفسه ص 31و33.

[3]  جواهر الكمال ج1 ص 84.

[4]  نفسه ص 44 ـ 45.

[5]  علائق أسفي ص57.

[6]  جواهر الكمال ج2ص49.

[7]  مجلة المنار لرشيد رضا ج 9 ص 65المكتبة الرقمية الشاملة

[8]  محمد بن المدني كنون ( ت 1302هـ) يلقب بمجدد القرن 13هـ ينظر الفكر السامي للحجوي ص 633 دار الكتب العلمية ط1سنة1995.

[9]  أعلام من أسفي لسعيد الجدياني ج2 ص25 داروليلي مراكش ط1سنة 2008.

[10]  جواهر الكمال ج1 ص15.

[11]  جواهر الكمال ج2 ص 9.

[12]  فتح الله بناني الرباطي (ت 1353هـ)  شيخ الزاوية البنانية الدرقاوية الشاذلية ينظر معلمة المغرب 5|1482.الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر مطابع سلا.

[13]  ينظر الفقيه الكانوني للسعيدي مرجع سابق ص 342.

[14]  الجواهر الصفية ص 75.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في دين وثراث
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

المخيم البلدي بأسفي: إهمال..إقبار..كلاب ضالة