توظيف أسطورة عين لالة ميرة في رواية أنا النقطة للأديبة د أسماء غريب

562

ذ سعيد البهالي

      توظيف الرمز الأسطوري / الميثولوجي  في العمل الروائي وربطه بالمكان والشخصيات يعد بنية جمالية هامة في تأسيس الخطاب السردي ويضفي بعدا جماليا على الفضاء الروائي ككل ، وأعترف أن هذه أول مرة يتم فيها توظيف أسطورة لالة ميرة في عمل روائي مغربي ، فلالة ميرة كمكان  هي عين ماء توجد شمال مدينة آسفي ، وتنسب لامرأة / شخصية ، وتحمل تلك العين المائية الجارية دلالات أسطورية وعجائبية وطقوسية عدة ، فالأسطورة كما تعبر عن طفولة التجربة الإنسانية فيما مضى ، فهي تعبر أيضا عن الطموح وتطلعات الإنسان في الحياة ، وتوظيف أسطورة لالة ميرة في رواية أنا النقطة (الصادرة عن دار الفرات للثقافة والإعلام ودار سما  العراق 2021)هو توظيف متحكم فيه ( تخييل واعي ) ، حيث لم يجمح الخيال بعيدا إلى ضفاف اللامعقول أو الغرابة المطلقة أو المستحيل غير المنطقي ، فلالة ميرة التي لا يعرف أحد بالضبط من هي ولا في أي زمن عاشت لها ارتباط وثيق بالمكان الآسفي ، فقد أطلق اسمها على عين الماء الجارية ، تقصدها نساء المدينة و الفتيات العازبات من المناطق المجاورة للإستسقاء والاستشفاء والنزهة وممارسة بعض الطقوس المرتبطة بالخصوبة والزواج … ” كل الفتيات كن يذهبن عند عين البركة والزواج والخصوبة ، ولالة ميرة كانت تسعد بهن كثيرا ، سيدة في غاية الجمال ، بعينيها الواسعتين الكحيلتين ، ويديها المخضبتين بالحناء ، وشفتيها المكتنزتين وقد زاد لون السواك جمالهما وسحرهما … من لا يعرف لالة ميرة وهي التي تحب أن تدخل البهجة بهباتها وطقوسها على النساء ، تحتفي بهن أفضل ما يكون الاحتفاء ، سيدة العطاء والخير لا توجد في مكان إلا هناك بآسفي المحبة والخيرات المتدفقة والكرم البهيج “() ، في عين لالة ميرة تتضح العلاقة الحميمة بين المكان والناس ، المكان المملوء محبة وخيرا وكرما وبهجة وسعادة ، وهذا الوصف المجازي المجنح الذي قدمته الروائية للالة ميرة جاء نتيجة تحرر التفكير من عجزه  وانفتاحه على الموروث الثقافي والأسطوري والذاكرة الجمعية لمدينة آسفي ” فالتفكير الأسطوري بإمكانه رسم معالم التاريخ المرتبط بالتفكير الجماعي الباحث دوما عن تجارب خيالية ، يستحضرها الاستباق اليوتوبي رغبة في الذهاب للمستقبل ” () ، وهذا لاستحضار لأسطورة لالة ميرة (الأميرة) الذي مزج بين الصور الذهنية  المتخيلة (شخصية لالة ميرة) والصور الحقيقية (حقيقة المكان) هو ما يعطي للمكان الآسفي جماليته وروعته داخل المتن الحكائي ، ويبقى الهدف هو إبراز المعاني الأخلاقية الخلاقة للمكان من خلال النبش في حضارة المجتمع وثقافته وتوظيفها ببراعة ، والإدراك الجمالي للمكان ” هو الذي يجعلنا نشارك المؤلف في عمله الفني ، و نعي حدود المكان والغائية من إعادة إظهاره “().

     إذا انطلقنا من فكرة هينري ميتران Henri Mitranالتي تعتبر أن المكان هو الذي يؤسس الحكي ، فإن عين ” لالة ميرة” وفضاءها المكاني وطقوسها العجائبية المرتبطة بالخصوبة والطفولة الفكرية هي مدخل للتخييل وبناء عالم رمزي طهراني غرائبي يستمد طهرانيته من تلك المنح والعطايا والهدايا الرمزية التي يقدمها لزواره (البركة ، الخصوبة ، المرح …)، ومن تلك الآمال التي تعلقها حوله القلوب الواجدة ، وقد تكون له فلسفته الثاوية التي تشير إلى الحب و الخير والجود والخصوبة المرتبط بعالم الأمومة / المرأة ، فالرمز الأسطوري الدال على المرأة يمتلك ” حضوره الأليف في الوعي الجمعي لما تشير إليه من توق دائم لرغبات الإنسان الكبرى : الخير والحب والرغبة والحياة … ومن تم تغدو المرأة (لالة ميرة نموذجا) تَجل من تجليات الأم الكونية الكبرى / الأرض التي تحتضن الفرد ، وتعيد إليه التوازن من خلال الحب الذي هو بالأساس المحرك الأول للتاريخ البشري الخلاق “() ، فلالة ميرة تحضر في المعمار الروائي كرمز للمجتمع الأمومي الأول الذي كانت فيه المرأة هي المركز ، ومركزية المرأة عبرت عنها الروائية د أسماء غريب بوضوح في حوار قيم الخلوة (المسؤول ) مع العالية الجيلاني (الشخصية الرئيسية) وهو يعرض عليها تولي منصب قيمة الخلوة  (مسؤولة)” ولأجل هذا أقول بأنه لن تكون في الكون امرأة أخرى أصلح لتولي شؤون هذا المكان منك ” () ، وربما لهذا  حضرت وليات آسفي الصالحات في الرواية أمثال  فاطنة بنت مَحمد ولالة هنية الحمرية ولالة ميرة اللاتي أسمتهن الروائية ” حوريات البحار الأسفية وسيداته الصالحات ” () ، وكأن الروائية تحاول إضفاء طابع شبه تاريخي على الموروث الميثولوجي لآسفي من خلال ربط شخصية لالة ميرة الأسطورية بشخصيات نسائية عرفانية من عالم الواقع والتاريخ  (الإيهام بالواقع / الإيهام بالتاريخ) ، ومعلوم أن الإيهام بالواقع هو أحد أشكال جماليات التلقي التي تقتضي التركيز على الأبعاد الجمالية للمكان وشخوصه وتفاصيله وتاريخه .

      عين لالة ميرة الجارية ماء وحبا وكرما وخصوبة والتي تقصدها العوانس طلبا للزواج  ، والعاشقات طلبا للحب ، والعاقرات طلبا للأولاد ، والمتزوجات طلبا للنزهة … تجعلنا نكتشف تداخل المجالين الأسطوري والواقعي تحت سقف واحد (التراث اللامادي والتاريخ) ، فعجائبية المكان وغرائبيته (الخيال) لا تخفي جماليته وبداعته ( الواقع) ، وقد أحسن السرد في الجمع بينهما بلا تضاد أو تنافر (بلاغة الوصف وبلاغة اللغة الواصفة) مكونا ضفيرة مجدولة من التداخلات الإشارية والرمزية التي تعبر عن التماثلات الرمزية بين المرأة / الأم ، والأرض / المكان ، وبالتالي يكتسب المكان جماليته ومعناه المتعدد ، وقد أضفت الروائية على المكان (عين لالة ميرة) لمسات روحية نورانية وأخرى عجائبية أسطورية تمتح من عوالم الميثولوجيا تارة ومن عوالم العرفان تارة أخرى ، وكثفت لغتها الرمزية والدلالية مما يجعل القارئ يحس أن المكان هو شخصية ضمن شخصيات الرواية تتحرك وتنفعل مع الأحداث خصوصا عندما يتم إرجاع المكان إلى مسماه الأصلي ( عين لالة ميرة ، شاطئ لالة فاطنة ، لالة هنية الحمرية ..) ولعل هذا ما ساهم في تكسير نمطية السرد الروائي عبر إدماج البعد الرمزي / الصوفي الفلسفي بالأبعاد الحقيقية والواقعية والخيالية والأسطورية فيتحقق التنوع والمتعة ، وتصبح الجمالية إحساس مكاني ولذة لغوية قائمة على أساس البلاغة والتخييل (بلاغة المكان الموصوف وبلاغة اللغة الواصفة ) ، أي أن الجمالية تتجسد بالمزاوجة بين وصف الأمكنة الحقيقية في أبعادها الفيزيقية والواقعية واستخدام اللغة البلاغية والإبلاغية التي تحمل في طياتها الكثير من الانزياحات والدهشات ويمكن أن نضيف جمالية التلقي عند القارئ النبيه .

    عبر شخصية لالة ميرة الخيالية استدعت الروائية د اسماء غريب جانبا تراثيا مشهورا بآسفي  وهو غناء العيطة الشعبي عبر استدعاء إحدى رموزه الشهيرات وهي فاطنة بنت الحسين ( 1935ـ2005) تقول :” لالة ميرة تحب الشيخات ، والشيخة فاطنة بنت الحسين تعرف هذا جيدا ، هل تتذكر فاطنة يا عبد الحق ؟ عرفتها صغيرة كانت تأتي للغناء في بيت الطفولة هي وأولاد بن عكَيدة ، وفي كثير من الأحيان كنت أصادفها واقفة في الصباح الباكر أمام دكان الحليب القروي تنتظر أن يأتي دورها لتشتري الحليب والزبدة الطرية …آآآه يا عبد الحق ـ تذكر فاطنة وأنت في كوكبك موسيكاينو ، ابْنِ لها تمثالا ، واجْعلْ من عشقها للعيطة أسطورة ، فإنها تستحق منك ذلك ، فإذا نسيها أهل الأرض ، فتذكرها أنت ، واذهب لزيارتها من حين لآخر ..” () وعبْر هذا الاستدعاء لفن العيطة الشعبي وأيقونته فاطنة بنت الحسين تكون الروائية قد ربطت بين جماليات المكان وجماليات التراث .

+من كتاب جماليات المكان الأسفي في رواية أنا النقطة ل د أسماء غريب

 

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

المخيم البلدي بأسفي: إهمال..إقبار..كلاب ضالة