أزمة أفكار

1,130

بقلم ماجدة بطار

لديك “أزمة أفكار” هكذا قيمها من منطلق أن كتاباتي كانت خبط عشواء ،  بكيت حينها من سذاجتي ، ظنا مني أن الكتابة هجرتني حين لم أعرها الاهتمام الذي يليق بها كزائرة من الدرجة الممتازة ، سيدة النقاشات العميقة ، أنيقة الفكر ، متفهمة لتقلبات مزاجي ، قادرة على احتواء حيرتي أمام أحاسيس تنتابني بين الفينة والأخرى على حين غرة ، معلنة حدوث شيء ما اجهله ، لكني بالتأكيد أعيه عاجلا غير آجل بحدسي الغريب أو فراستي التي لم تخذلني يوما.

“هي” تشبهنا” نحن النساء” ، تمنح حين يطيب لها المقام ، حين يعتريها إحساس بالأمان تتدفق شلال كلمات منسابة من القلب  ، لكنها حين تخذل تنسحب تاركة الباب مواربا للضمير ، لتأنيب الضمير إن وجد حقا لدى أولئك الذين لا يعون معنى الإنسانية ، لا مبادئ لديهم ولا ترقب لانتقام الأيام .لعله قصد حين توجه إلي بالخطاب معاتبا انه قرأ أفكاري المبعثرة حينها ، لم لم يحاول لملمتها بكلمة أخف وقعا من تلك  ؟ أشد وطأة من ألم النسيان الذي يطال قصيدة مفضلة أو ساعة يد  لم تعد تصلح للزمن ،  لكنها تذكار لوقت كان ولم يعد ، طيف روح سكنت أمكنة ما من عالم صغير انتمينا إليه ولم يعد ،  فراغ من لذة لا تشبه أخرى..

لعل تلك الزوبعة الذهنية المرتابة قطرة في بحر الأفكار المنفلتة بفعل ضغط الكلمات . سيهدأ روعها ستسكن حين ترسو على بر الأمنيات ، سيتسنى لها أن تحدد وجهتها بعيدا عن التأويلات و الظنون ، هي تحتاج إلى مرفأ تلقي فيه بثقل سفينتها كي ترتاح من عناء الإلهام الذي يؤرق سكينتها في لحظة رجوع إلى الذات ، ستجد ضالتها في إشارات من القدر للاهتداء إلى جنسها الأدبي ، شكله ، زمنه ، شخوصه وانفعالاتها،  فكل جرة قلم مقرونة بحدث ما لحكمة ما تستحق أن تؤرخ وتوقع بظروف كاتبها ، حالته النفسية وما يبتغيه من وراء تدوين ما يستشعره عن قصد آو عن غيره  ،لاشيء عبثي ، يبقى لكل قارئ تأملاته فيما يكتب ،  له كامل الصلاحية في تفسير مابين السطور تبعا لمستواه الفكري تراكماته الحياتية وإحساسه وفقا لمزاجه الحر الطليق.

كانت كتاباتي بين يديه أشبه بعصفور طليق يرفرف بجناحيه الصغيرين ، لم يتعلم بعد التحليق في سماء الكتابة ، قصهما بكلمات مقصلة ، بتعبير التيه الذي كنت اجهله واكتشفته لاحقا.

مددته حينها بقصتي الصغيرة وخواطري الندية ، لم يكلف نفسه حتى عناء إتمام قراءتها ، رمى بمسودة فرحي على وجهي ، أملي في أن أنافس بحكايتي الوحيدة ثلة من الطلبة في تخصصات مختلفة منتسبين إلى كليات عدة ، حملتها بين يدي ، ترسخت كلماتها في ذهني لحد الساعة ، أردت المشاركة فتحقق لي ذلك بعون من الله ، كان كلماتها و معانيها تعنيني، تصفني بدقة.

توقعت أنها البداية وان القدر سيكتب لي بحكم التجربة حظ الفوز في يوم ما ، في الخفاء كان القدر يضحك من سعادة متوقعة سأعيشها بعد ساعات ، للحظات سكن الجمود مسرح الأحداث ، بعد تصفيقات و هتافات وقت الإعلان عن أسماء الفائزين  ،اسمي ينطق للمرة الأولى بصدى متوهج ألهب حماستي ، أشعرني بان لاشيء بعيد المنال أمام صفاء السريرة ونقاء الروح فعلى نياتها نرزق.

لم اعد يومها خالية الوفاض ، حلت معي فرحة غالية وماكان ينقصنا في بيتنا يومها  ، ماتمنت والدتي الحصول عليه لسماع ماتيسر من آيات الذكر الحكيم.

وجد” قارئ الأفكار” ذاك الفريد من نوعه مكانه بين أشياء قديمة وأخرى جديدة ، حل لسنوات ضيفا في بيتنا  ، كنت كلما شغلته أحسست بامتنان غريب للإلهام ، لازمة الأفكار تلك التي تحدث عنها أستاذي وكانت سببا في إصراري الكبير على المشاركة ، ليس طمعا في الفوز بل لأثبت له أن الكتابة في مجملها زخم من الكلمات و المشاعر تحتاج إلى صبر و تفهم كي ترتقي بنا إلى مرتبة كتاب عاشقين ليس لها فقط بل  لحالة التلبس التي تصير القلق و الأرق إلى معان خالدة  ، نترقب بشغف نشرها، نتطلع بعمق أن تستوعب بتأويلات مختلفة تغدو آراء تحترم ، تبني في الأفق مستقبل  كتاب أبدعوا،  وثقوا انفعالاتهم و ما يختلج صدورهم من ثقل المسؤولية الحياتية و دورهم ككتاب  ، عليهم أن ينقلوا بأمانة مطلقة ما يقض مضجعهم من هم الكتابة..تلك المسؤولية العظمى التي تحل نعمة على جسد البياض..تعي جيدا كيف تجعل منه تحفة فنية بأشكال متعددة للإبداع،  و للمتلقي شرف الإنصات إلى روح و نفس المبدع ، صبره الجميل في سبيل تشارك الأحاسيس في لحظات فريدة لا تخلو من القدسية و التفهم لظروف وملابسات الكتابة المبعثرة كلماتها في فكر وخاطر مبدع يعرف كيف يلملم شتات معانيها فيخلق الاختلاف الذي لا يخلو من التفرد و الاستثنائية.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

المخيم البلدي بأسفي: إهمال..إقبار..كلاب ضالة