أزمة أفكار

1,644

بقلم ماجدة بطار

لديك “أزمة أفكار” هكذا قيمها من منطلق أن كتاباتي كانت خبط عشواء ،  بكيت حينها من سذاجتي ، ظنا مني أن الكتابة هجرتني حين لم أعرها الاهتمام الذي يليق بها كزائرة من الدرجة الممتازة ، سيدة النقاشات العميقة ، أنيقة الفكر ، متفهمة لتقلبات مزاجي ، قادرة على احتواء حيرتي أمام أحاسيس تنتابني بين الفينة والأخرى على حين غرة ، معلنة حدوث شيء ما اجهله ، لكني بالتأكيد أعيه عاجلا غير آجل بحدسي الغريب أو فراستي التي لم تخذلني يوما.

“هي” تشبهنا” نحن النساء” ، تمنح حين يطيب لها المقام ، حين يعتريها إحساس بالأمان تتدفق شلال كلمات منسابة من القلب  ، لكنها حين تخذل تنسحب تاركة الباب مواربا للضمير ، لتأنيب الضمير إن وجد حقا لدى أولئك الذين لا يعون معنى الإنسانية ، لا مبادئ لديهم ولا ترقب لانتقام الأيام .لعله قصد حين توجه إلي بالخطاب معاتبا انه قرأ أفكاري المبعثرة حينها ، لم لم يحاول لملمتها بكلمة أخف وقعا من تلك  ؟ أشد وطأة من ألم النسيان الذي يطال قصيدة مفضلة أو ساعة يد  لم تعد تصلح للزمن ،  لكنها تذكار لوقت كان ولم يعد ، طيف روح سكنت أمكنة ما من عالم صغير انتمينا إليه ولم يعد ،  فراغ من لذة لا تشبه أخرى..

لعل تلك الزوبعة الذهنية المرتابة قطرة في بحر الأفكار المنفلتة بفعل ضغط الكلمات . سيهدأ روعها ستسكن حين ترسو على بر الأمنيات ، سيتسنى لها أن تحدد وجهتها بعيدا عن التأويلات و الظنون ، هي تحتاج إلى مرفأ تلقي فيه بثقل سفينتها كي ترتاح من عناء الإلهام الذي يؤرق سكينتها في لحظة رجوع إلى الذات ، ستجد ضالتها في إشارات من القدر للاهتداء إلى جنسها الأدبي ، شكله ، زمنه ، شخوصه وانفعالاتها،  فكل جرة قلم مقرونة بحدث ما لحكمة ما تستحق أن تؤرخ وتوقع بظروف كاتبها ، حالته النفسية وما يبتغيه من وراء تدوين ما يستشعره عن قصد آو عن غيره  ،لاشيء عبثي ، يبقى لكل قارئ تأملاته فيما يكتب ،  له كامل الصلاحية في تفسير مابين السطور تبعا لمستواه الفكري تراكماته الحياتية وإحساسه وفقا لمزاجه الحر الطليق.

كانت كتاباتي بين يديه أشبه بعصفور طليق يرفرف بجناحيه الصغيرين ، لم يتعلم بعد التحليق في سماء الكتابة ، قصهما بكلمات مقصلة ، بتعبير التيه الذي كنت اجهله واكتشفته لاحقا.

مددته حينها بقصتي الصغيرة وخواطري الندية ، لم يكلف نفسه حتى عناء إتمام قراءتها ، رمى بمسودة فرحي على وجهي ، أملي في أن أنافس بحكايتي الوحيدة ثلة من الطلبة في تخصصات مختلفة منتسبين إلى كليات عدة ، حملتها بين يدي ، ترسخت كلماتها في ذهني لحد الساعة ، أردت المشاركة فتحقق لي ذلك بعون من الله ، كان كلماتها و معانيها تعنيني، تصفني بدقة.

توقعت أنها البداية وان القدر سيكتب لي بحكم التجربة حظ الفوز في يوم ما ، في الخفاء كان القدر يضحك من سعادة متوقعة سأعيشها بعد ساعات ، للحظات سكن الجمود مسرح الأحداث ، بعد تصفيقات و هتافات وقت الإعلان عن أسماء الفائزين  ،اسمي ينطق للمرة الأولى بصدى متوهج ألهب حماستي ، أشعرني بان لاشيء بعيد المنال أمام صفاء السريرة ونقاء الروح فعلى نياتها نرزق.

لم اعد يومها خالية الوفاض ، حلت معي فرحة غالية وماكان ينقصنا في بيتنا يومها  ، ماتمنت والدتي الحصول عليه لسماع ماتيسر من آيات الذكر الحكيم.

وجد” قارئ الأفكار” ذاك الفريد من نوعه مكانه بين أشياء قديمة وأخرى جديدة ، حل لسنوات ضيفا في بيتنا  ، كنت كلما شغلته أحسست بامتنان غريب للإلهام ، لازمة الأفكار تلك التي تحدث عنها أستاذي وكانت سببا في إصراري الكبير على المشاركة ، ليس طمعا في الفوز بل لأثبت له أن الكتابة في مجملها زخم من الكلمات و المشاعر تحتاج إلى صبر و تفهم كي ترتقي بنا إلى مرتبة كتاب عاشقين ليس لها فقط بل  لحالة التلبس التي تصير القلق و الأرق إلى معان خالدة  ، نترقب بشغف نشرها، نتطلع بعمق أن تستوعب بتأويلات مختلفة تغدو آراء تحترم ، تبني في الأفق مستقبل  كتاب أبدعوا،  وثقوا انفعالاتهم و ما يختلج صدورهم من ثقل المسؤولية الحياتية و دورهم ككتاب  ، عليهم أن ينقلوا بأمانة مطلقة ما يقض مضجعهم من هم الكتابة..تلك المسؤولية العظمى التي تحل نعمة على جسد البياض..تعي جيدا كيف تجعل منه تحفة فنية بأشكال متعددة للإبداع،  و للمتلقي شرف الإنصات إلى روح و نفس المبدع ، صبره الجميل في سبيل تشارك الأحاسيس في لحظات فريدة لا تخلو من القدسية و التفهم لظروف وملابسات الكتابة المبعثرة كلماتها في فكر وخاطر مبدع يعرف كيف يلملم شتات معانيها فيخلق الاختلاف الذي لا يخلو من التفرد و الاستثنائية.

تحميل مواضيع أخرى ذات صلة
تحميل المزيد في ثقافة وفن
التعليقات مغلقة.

شاهد أيضاً

فيدرالية ناشري الصحف بجهة مراكش اسفي الشريك الإعلامي الرسمي لملتقى الشباب العالمي للتنمية المستدامة

أعلنت الجمعية المغربية مبادرة بمدينة العيون، لجميع المنابر الإعلامية أن الفدرالية المغربية…